فصل: تفسير الآيات رقم (38- 52)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


سورة الطلاق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ‏(‏1‏)‏ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ‏(‏2‏)‏ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ‏(‏3‏)‏ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ‏(‏4‏)‏ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحكيم يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء‏}‏، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به هو وأمته، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء‏}‏، فذكر بلفظ الجماعة، فكأنه قال‏:‏ يا أيها النبي ومن آمن بك، ‏{‏إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء‏}‏ يعني‏:‏ أنت وأمتك‏.‏ إذا أردتم أن تطلقوا النساء‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، حين غضب على حفصة بنت عمر، فقال‏:‏ ‏{‏فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ‏}‏‏.‏ وقال‏:‏ طاهرات، من غير جماع‏.‏

وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ ‏{‏فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ‏}‏ طاهرات من غير جماع‏.‏ روى سفيان، عن عمرو بن دينار‏:‏ أن ابن عباس رضي الله عنهما قرأ ‏(‏فطلقوهن لقبل عدتهن‏)‏ وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ لو أن الناس أصابوا حد الطلاق، لما ندم رجل على امرأته يطلقها، وهي طاهرة لم يجامعها‏.‏ فإن بدا أن يمسكها أمسكها، وإن بدا له أن يخلي سبيلها خلى‏.‏

وروى عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ الطلاق على أربعة أوجه‏:‏ وجهان حلال، ووجهان حرام‏.‏ فأما الحلال، بأن يطلقها من غير جماع، أو يطلقها حاملاً‏.‏ وأما الحرام، بأن يطلقها حائضاً، أو يطلقها حين جامعها‏.‏ وقال الحسن‏:‏ ‏{‏فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ‏}‏ قال‏:‏ إذا طهرن من الحيض من غير جماع‏.‏ وقال الزهري، وقتادة‏:‏ يطلقها لقبيل عدتها‏.‏ وروى ابن طاوس، عن أبيه قال‏:‏ حد الطلاق أن يطلقها قبل عدتها‏.‏ قلت‏:‏ وما قبل عدتها‏؟‏ قال‏:‏ طاهرة من غير جماع‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأَحْصُواْ العدة‏}‏ يعني‏:‏ واحفظوا العدة‏.‏ فأمر الرجل بحفظ العدة، لأن في النساء غفلة، فربما لا تحفظ عدتها‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏واتقوا الله رَبَّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ واخشوا الله ربكم، فأطيعوه فيما أمركم ولا تطلقوا النساء في غير طهورهن‏.‏ فلو طلقها في الحيض، فقد أساء‏.‏ والطلاق واقع عليها في قول عامة الفقهاء‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ‏}‏ يعني‏:‏ اتقوا الله في إخراجهن من بيوتهن لأن سكناها على الزوج ما لم تنقض عدتها ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَخْرُجْنَ‏}‏ يعني‏:‏ ليس لهن أن يخرجن من البيوت‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ إلا أن تزني فتخرج لأجل إقامة الحد عليها، وهو قول ابن مسعود‏.‏ وقال الشعبي، وقتادة‏:‏ خروجها في العدة فاحشة‏.‏ وإخراج الزوج لها في العدة معصية؛ وهكذا روي، عن ابن عمرو، وإبراهيم النخعي‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الفاحشة أن تبذو على زوجها فتخرج‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ حُدُودُ الله‏}‏ يعني‏:‏ الطلاق بالسنة، وإحصاء العدة من أحكام الله تعالى‏.‏ ‏{‏وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله‏}‏ يعني‏:‏ يترك حكم الله فيما أمر من أمر الطلاق‏.‏

‏{‏فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ‏}‏ يعني‏:‏ أضر بنفسه‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏لا تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً‏}‏ يعني‏:‏ لا تطلقها ثلاثاً، فلعله يحدث من الحب أو الولد خير، فيريد أن يراجعها فلا يمكنه مراجعتها‏.‏ وإن طلقها واحدة، يمكنه أن يراجعها‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‏}‏ يعني‏:‏ إذا بلغن وقت انقضاء عدتهن، وهو مضي ثلاث حيض ولم تغتسل من الحيضة الثالثة، ‏{‏فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ‏}‏ يعني‏:‏ راجعوهن بإحسان، يعني‏:‏ أن تمسكوهن بغير إضرار‏.‏ ‏{‏أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ‏}‏ يعني‏:‏ اتركوهن بإحسان‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‏}‏ يعني‏:‏ انقضت عدتهن، ‏{‏فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ‏}‏ يعني‏:‏ بنكاح جديد إذا طلقها واحدة أو اثنتين‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَشْهِدُوا ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أشهدوا على الطلاق والمراجعة فهو على الاستحباب‏.‏ ويقال‏:‏ على النكاح المستقبل، فإن أراد به الإشهاد على الطلاق والمراجعة، فهو على الاستحباب‏.‏ ولو ترك الإشهاد بالمراجعة، جاز الطلاق والمراجعة‏.‏ فإن أراد به الإشهاد على النكاح، فهو واجب، لأنه لا نكاح إلاَّ بشهود‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ‏}‏ يعني‏:‏ يا معشر الشهود، أدوا الشهادة عند الحاكم بالعدل على وجهها لحق الله تعالى ولسبب أمر الله تعالى‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ هذا الذي يؤمر به‏.‏ ‏{‏مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر‏}‏ أي‏:‏ لا يكتم الشهادة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً‏}‏ يعني‏:‏ يخشى الله ويطلق امرأته للسنة، ‏{‏يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً‏}‏ يعني‏:‏ المراجعة‏.‏ ‏{‏وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ‏}‏ يعني‏:‏ في شأن المراجعة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً‏}‏ يعني‏:‏ ينجو من ظلمات يوم القيامة ويرزقه الجنة‏.‏ ووجه آخر‏:‏ أن من اتقى الله عند الشدة وصبر، يجعل له مخرجاً من الشدة ‏{‏وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ‏}‏ يعني‏:‏ يوسع عليه من الرزق‏.‏ وقال مسروق‏:‏ ‏{‏يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً‏}‏ قال‏:‏ مخرجه أن يعلم أن الله هو يرزقه، وهو يمنحه ويعطيه، لأنه هو الرازق وهو المعطي وهو المانع‏.‏ كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السمآء والارض لاَ إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُؤْفَكُونَ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 3‏]‏ الآية‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ‏}‏ يعني‏:‏ من يثق بالله في الرزق ‏{‏فَهُوَ حَسْبُهُ‏}‏ يعني‏:‏ الله كافيه‏.‏ وروى سالم بن أبي الجعد‏:‏ أن رجلاً من أشجع أسره العدو، فجاء أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه، فقال‏:‏ اصبر‏.‏ فأصاب ابنه غنيمة، فجاء بهما جبريل عليه السلام ‏{‏وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً‏}‏ الآية‏.‏

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال‏:‏ جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت الأم، فما تأمرني‏؟‏ فقال‏:‏ آمرك وإياها أن تستكثرا من قول‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

فرجع إلى منزله، فقالت له‏:‏ بماذا أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ بكذا‏.‏ فقالت‏:‏ نعم ما أمرك به‏.‏ فجعلا يقولان ذلك، فخرج ابنه بغنيمة كثيرة، فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ‏}‏ يعني‏:‏ من يثق بالله في الشدة، يجعل له مخرجاً من الشدة‏.‏ ويقال‏:‏ المخرج على وجهين‏:‏ أحدهما أن يخرجه من تلك الشدة، والثاني أن يكرمه فيها بالرضا والصبر‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله بالغ أَمْرِهِ‏}‏ يعني‏:‏ قاضياً أمره‏.‏ قرأ عاصم في رواية حفص ‏{‏بالغ أَمْرِهِ‏}‏ بغير تنوين، بكسر الراء على الإضافة، والباقون بالتنوين ‏{‏أَمَرَهُ‏}‏ بالنصب، نصبه بالفعل بمعنى يمضي أمره في الشدة والرخاء أجلاً ووقتاً‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏قَدْ جَعَلَ الله لِكُلّ شَئ قَدْراً‏}‏ يعني‏:‏ جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ووقتاً، لا يتقدم ولا يتأخر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ‏}‏‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لما نزل قوله‏:‏ ‏{‏والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قرواء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فى أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الاخر وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلك إِنْ أرادوا إصلاحا وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ بالمعروف وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 228‏]‏ قال معاذ بن جبل‏:‏ يا رسول الله، لو كانت المرأة آيسة لا تحيض، كيف تعتد‏؟‏ فنزل‏:‏ ‏{‏واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ‏}‏ والآية‏.‏ أن تبلغ ستين سنة، ويقال خمسين‏.‏ ‏{‏إِنِ ارتبتم‏}‏، إن شككتم في عدتهن، ‏{‏فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ‏}‏، فقام رجل آخر، فقال‏:‏ لو كانت صغيرة، كيف عدتها‏؟‏ وقام آخر وقال‏:‏ لو كانت حاملاً، كيف عدتها‏؟‏ فنزل‏:‏ ‏{‏واللائى لَمْ يَحِضْنَ‏}‏ يعني‏:‏ المرأة التي لم تحض، فعدتها ثلاثة أشهر مثل عدة الآيسة‏.‏ ‏{‏وأولات الاحمال أَجَلُهُنَّ‏}‏ يعني‏:‏ عدتهن ‏{‏أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏ وقال عمر‏:‏ لو وضعت ما في بطنها وزوجها على سريره، قبل أن يدفن في حفرته، لانقضت عدتها وحلت للأزواج‏.‏ وروى الزهري، عن عبد الله، عن أبيه‏:‏ أن سبيعة بنت الحارث قد وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين يوماً، فمر بها السنابل بن بعكك، فقال لها‏:‏ أتريدين أن نتزوج‏؟‏ فقالت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ لا حتى يأتي عليك أربعة أشهر وعشر‏.‏ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها قد حللت للزواج يعني‏:‏ انقضت عدتك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَّقِ الله‏}‏ يعني‏:‏ يصبر على طاعة الله تعالى، ‏{‏يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً‏}‏ يعني‏:‏ ييسر عليه أمره، ويوفقه ليعمل على طاعة الله تعالى، ويعصمه عن معاصيه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ أَمْرُ الله‏}‏ يعني‏:‏ هذا الذي ذكره حكم الله وفريضته‏.‏ ‏{‏أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أنزله في القرآن على نبيكم‏.‏ ‏{‏وَمَن يَتَّقِ الله‏}‏ ويعمل بأحكامه وفريضته، ‏{‏يُكَفّرْ عَنْهُ سيئاته‏}‏ في الدنيا، ‏{‏وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً‏}‏ يعني‏:‏ ثواباً في الجنة‏.‏ قرأ نافع، وابن عامر ‏{‏نَّكْفُرَ * عَنْهُ‏}‏ بالنون، والباقون بالياء، ومعناهما‏:‏ يرجع إلى شيء واحد‏.‏ ثم رجع إلى ذكر المطلقات‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 7‏]‏

‏{‏أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ‏(‏6‏)‏ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ‏(‏7‏)‏‏}‏

فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم‏}‏ يعني‏:‏ أنزلوهن من حيث تسكنون فيه‏.‏ ‏{‏مّن وُجْدِكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ من سعتكم‏.‏ والوجد‏:‏ القدرة والغنى‏.‏ ويقال‏:‏ افتقر فلان بعد وجده‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ‏}‏ يعني‏:‏ لا تظلموهن‏.‏ ‏{‏لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ‏}‏ في النفقة والسكنى‏.‏ ‏{‏وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ‏}‏ يعني‏:‏ إن كن المطلقات ذوات حمل، ‏{‏فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏ وقد أجمعوا أن المطلقة إذا كانت حاملاً فلها النفقة، وأما إذا لم تكن حاملاً، فإن كان الطلاق رجعياً، فلها النفقة والسكنى بالإجماع‏.‏ وإن كان الطلاق بائناً، فلها السكنى والنفقة في قول أهل العراق‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لها السكنى ولا نفقة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مّن‏}‏ يعني‏:‏ المطلقات إذا أرضعن أولادكم، فأعطوهن أجورهن، لأن النفقة على الأب‏.‏ وأجر الرضاع من النفقة، فهو على الأب إذا كانت المرأة مطلقة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ‏}‏ هموا به واعزموا عليه، ويقال هو أن لا تضار المرأة بالزوج ولا الزوج بالمرأة في الرضاع‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ اتفقوا فيما بينكم يعني‏:‏ الزوج والمرأة يتفقان على أمر واحد‏:‏ ‏{‏بِمَعْرُوفٍ‏}‏ يعني‏:‏ بإحسان‏.‏ ‏{‏وَإِن تَعَاسَرْتُمْ‏}‏ يعني‏:‏ تضايقتم، وهو أن يأبى أن يؤتي المرأة لأجل رضاعها، وأبت المرأة أن ترضعه‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ أراد الرجل أقل مما طلبت المرأة من النفقة، ولم يتفقا على شيء واحد‏.‏ ‏{‏فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى‏}‏ يعني‏:‏ يدفع الزوج الصبي إلى امرأة أُخرى إن أرضعت بأقل مما ترضع الأم به‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ‏}‏ يعني‏:‏ ينفق على المرأة ذو الغنى على قدر غناه، وعلى قدر عيشه وسعته ويسره‏.‏ ‏{‏وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ‏}‏ يعني‏:‏ ضيق عليه رزقه، ‏{‏فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ الله‏}‏ يعني‏:‏ على قدر ما أعطاه الله من المال‏.‏ ‏{‏لاَ يُكَلّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَا ءاتَاهَا‏}‏ يعني‏:‏ لا يأمر الله نفساً في النفقة إلا ما أعطاها من المال ‏{‏سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً‏}‏ يعني‏:‏ العسر ينتظر اليسر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 12‏]‏

‏{‏وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ‏(‏8‏)‏ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ‏(‏9‏)‏ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ‏(‏10‏)‏ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ‏(‏11‏)‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ‏(‏12‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ فكم من أهل قرية قرأ ابن كثير ‏{‏وَكَأَيّن‏}‏ بغير الألف، والباقون بغير مد مع تشديد الياء، وهما لغتان ومعناهما واحد، يعني‏:‏ وكم من قرية‏.‏ ‏{‏عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا‏}‏ يعني‏:‏ أبت وعصت عن أمر ربها يعني‏:‏ عن طاعة ربها‏.‏ قال مقاتل‏:‏ ‏{‏عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا‏}‏ يعني‏:‏ خالفت وعصت وقال الكلبي‏:‏ العتو المعصية‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ العتو مجاوزة الحد في المعصية‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَرُسُلِهِ‏}‏ يعني‏:‏ عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏فحاسبناها حِسَاباً شَدِيداً‏}‏ يعني‏:‏ جازاها الله بعملها‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏***حاسبناها‏}‏ في الآخرة ‏{‏فحاسبناها حِسَاباً شَدِيداً‏}‏‏.‏ ‏{‏وعذبناها عَذَاباً نُّكْراً‏}‏ يعني‏:‏ عذاباً منكراً، على معنى التقديم يعني‏:‏ عذبناها في الدنيا عذاباً شديداً، وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً‏.‏ ويقال‏:‏ وحاسبناها يعني‏:‏ في الدنيا يعني‏:‏ جازيناها وخذلناها وحرمناها‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا‏}‏ يعني‏:‏ جزاء ذنبها‏.‏ ‏{‏وَكَانَ عاقبة أَمْرِهَا خُسْراً‏}‏ يعني‏:‏ أهل القرية، يعني‏:‏ أن آخر أمرهم صار إلى الخسران والندامة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً‏}‏ يعني‏:‏ ما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم، ولكن مع ما أصابهم في الدنيا ‏{‏أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً‏}‏ في الآخرة، لأنهم لم يرجعوا عن كفرهم‏.‏ ثم أمر المؤمنين بأن يعتبروا بهم، ويثبتوا على إيمانهم، فقال‏:‏ ‏{‏فاتقوا الله ياأولى الالباب‏}‏ يعني‏:‏ اخشوا الله وأطيعوه يا ذوي العقول من الناس‏.‏ ‏{‏الذين كَفَرُواْ‏}‏ بالله يعني‏:‏ الذين صدقوا بالله ورسوله‏.‏ ‏{‏قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً‏}‏ يعني‏:‏ كتاباً‏.‏ ويقال‏:‏ شرفاً وعزاً وهو القرآن‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏رَسُولاً‏}‏ يعني‏:‏ أرسل إليكم رسولاً، ‏{‏يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ يقرأ عليكم ويعرض عليكم‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏قَدْ أَنزَلَ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً‏}‏ يعني‏:‏ كتاباً مع رسوله، ليتلو عليكم يعني‏:‏ يقرأ عليكم ‏{‏الله مبينات لّيُخْرِجَ‏}‏ يعني‏:‏ واضحات‏.‏ ويقال‏:‏ بيّن فيه الحلال والحرام‏.‏ ‏{‏لّيُخْرِجَ الذين ءامَنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ الذين صدقوا بتوحيد الله وطاعته ‏{‏وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ يعني‏:‏ الطاعات ‏{‏مِنَ الظلمات إِلَى النور‏}‏ يعني‏:‏ من الجهالة إلى البيان‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لّيُخْرِجَ الذين ءامَنُواْ‏}‏ اللفظ لفظ المستقبل، والمراد به الماضي يعني‏:‏ أخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور، يعني‏:‏ من الكفر إلى الإيمان؛ ويقال‏:‏ هو المستقبل يعني‏:‏ يخرجهم من الشبهات والجهالات إلى الدلالات والبراهين؛ ويقال‏:‏ ليدعو النبي صلى الله عليه وسلم، ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان من قدرة الله الإيمان في سابق علمه‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَن يُؤْمِن بالله‏}‏ يعني‏:‏ يصدق بالله‏.‏ ويقال‏:‏ يثبت على الإيمان، ‏{‏وَيَعْمَلْ صالحا‏}‏ يعني‏:‏ فرائض الله وسنن الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهر‏}‏‏.‏ قرأ نافع، وابن عامر‏:‏ ‏{‏ندخله‏}‏ بالنون، والباقون بالياء يعني‏:‏ يدخله الله تعالى في الآخرة‏.‏ ‏{‏جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ مقيمين في الجنة دائمين فيها‏.‏ ‏{‏أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً‏}‏ يعني‏:‏ أعد الله له ثواباً في الجنة‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏الله الذى خَلَقَ سَبْعَ * سموات وَمِنَ الارض مِثْلَهُنَّ‏}‏ يعني‏:‏ خلق سبع أرضين مثل عدد السماوات‏.‏ ‏{‏يَتَنَزَّلُ الامر بَيْنَهُنَّ‏}‏ يعني‏:‏ ينزل الوحي من السموات‏.‏ ويقال‏:‏ في كل سماء، وفي كل أرض أمره نافذ‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الأمر، على وجوه الأمر أي القضاء، كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والارض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُدَبِّرُ الامر مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 3‏]‏ ويعني‏:‏ يقضي القضاء، وكقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السماوات والارض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُغْشِى اليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخلق والامر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 54‏]‏ أي‏:‏ القضاء‏.‏ والأمر‏:‏ الدين، كقوله‏:‏ ‏{‏وتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 93‏]‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور حتى جَآءَ الحق وَظَهَرَ أَمْرُ الله وَهُمْ كارهون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 48‏]‏ أي‏:‏ دين الله‏.‏ والأمر‏:‏ القول كقوله‏:‏ ‏{‏وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ليعلموا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُواْ ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 21‏]‏ أي قولهم الأمر‏:‏ العذاب، كقوله‏:‏ ‏{‏يإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هاذآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 76‏]‏ والأمر‏:‏ القيامة، كقوله‏:‏ ‏{‏أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سبحانه وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 1‏]‏ والأمر‏:‏ الوحي، كقوله‏:‏ ‏{‏الله الذى خَلَقَ سَبْعَ سماوات وَمِنَ الارض مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الامر بَيْنَهُنَّ لتعلموا أَنَّ الله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَئ عِلْمَا‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 12‏]‏ يعني‏:‏ الوحي‏.‏ والأمر‏:‏ الذنب، كقوله‏:‏ ‏{‏فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عاقبة أَمْرِهَا خُسْراً‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 9‏]‏ أي‏:‏ جزاء ذنبها‏.‏ وأصل هذا كله واحد، لأن الأشياء كلها بأمر الله تعالى، فسميت الأشياء أموراً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏لّتَعْلَمُواْ أَنَّ الله على كُلّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ يمكنكم أن تعلموا أن الله على كل شيء قدير‏.‏ ‏{‏وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَئ عِلْمَا‏}‏ يعني‏:‏ أحاط علمه بكل شيء‏.‏ وروى معمر، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏سَبْعَ سموات *** وَمِنَ الارض مِثْلَهُنَّ‏}‏ قال‏:‏ في كل سماء، وفي كل أرض من أرضه، وخلق من خلقه وأمر من أموره، وقضاء من قضائه سبحانه وتعالى‏.‏

سورة التحريم

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏1‏)‏ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عِلْمَا ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ‏}‏، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خلا في يوم لعائشة رضي الله عنها مع جاريته مارية القبطية، فوقعت حفصة على ذلك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا تُعْلِمِي عَائِشَةَ» وحرم مارية على نفسه، فأخبرت حفصة عائشة بذلك، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فطلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة، فأمر الله تعالى رسوله بكفارة اليمين، لتحريم جاريته على نفسه، وأمره بأن يراجع حفصة، فقال له جبريل‏:‏ راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، ونزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏عِلْمَا ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ‏}‏ يعني‏:‏ مارية ‏{‏تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أزواجك‏}‏ يعني‏:‏ تطلب رضا زوجتك عائشة‏.‏ ‏{‏والله غَفُورٌ‏}‏ فيما حرم على نفسه‏.‏ ويقال‏:‏ غفور لذنب حفصة‏.‏ ‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ حيث لم يعاقبها‏.‏

‏{‏قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم‏}‏ يعني‏:‏ بيَّن الله لكم كفارة أيمانكم‏.‏ ويقال‏:‏ أوجب الله عليكم كفارة أيمانكم‏.‏ وفي الآية وجه آخر؛ روى هشام بن عروة، عن أبية، عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلو والعسل، وكان إذا صلى العصر، دار على نسائه، فيدنو منهن؛ فدخل على حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عائشة عن ذلك، فقيل لها‏:‏ أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه‏.‏ فقالت‏:‏ أما والله لنحتالن‏.‏ فذكرت ذلك لسودة، وقالت‏:‏ إذا دخل فإنه سيدنو منك، فقولي له‏:‏ أكلت المغافير‏؟‏ فإنه سيقول لك‏:‏ لا‏.‏ فقولي له‏:‏ ما هذه الريح‏؟‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه إذا وجد منه الريح، فإنه سيقول لك‏:‏ حفصة سقتني شربة عسل‏.‏ فقولي له‏:‏ جرست نحلة العُرْفُط يعني‏:‏ أن تلك النحلة أكلت العرفط، وهو نبات به رائحة منكرة‏.‏ وسأقول له ذلك، وقولي له أنت يا صفية‏.‏ فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سودة، قالت سودة‏:‏ لقد كدت أن أناديه وإنه لعلى الباب فرقاً منك، فلما دنا مني، قلت‏:‏ أكلت المغافير‏؟‏ قال‏:‏ لا، قالت‏:‏ فما هذه الريح‏؟‏ قال‏:‏ سقتني حفصة شربة عسل‏.‏ قلت‏:‏ جرست نحلة العرفط‏.‏ فلما دخل على صفية، قالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة، قالت له‏:‏ يا رسول الله، ألا أسقيك منه‏؟‏ قال‏:‏ لا حاجة لي به‏.‏

وروى ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة، فقالت له‏:‏ إني أجد منك ريحاً‏.‏ ثم دخل على حفصة، فقالت‏:‏ إني أجد منك ريحاً‏.‏ قال‏:‏ أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه، فنزل‏:‏ ‏{‏عِلْمَا ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ‏}‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم‏}‏ يعني‏:‏ أوجب عليكم كفارة أيمانكم‏.‏ ‏{‏والله مولاكم‏}‏ يعني‏:‏ ناصركم وحافظكم ‏{‏وَهُوَ العليم‏}‏ بما قالت حفصة لعائشة في أمر مارية‏.‏ ‏{‏الحكيم‏}‏ حكم بكفارة اليمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 4‏]‏

‏{‏وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ‏(‏3‏)‏ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذَ أَسَرَّ النبى‏}‏ يعني‏:‏ أخفى النبي ‏{‏إلى بَعْضِ أزواجه حَدِيثاً‏}‏ يعني‏:‏ كلاماً‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ أخبرت بذلك الخبر حفصة عائشة، ‏{‏وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ‏}‏ يعني‏:‏ أظهر الله قولها لرسوله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، فأخبرها ببعض ما أخبرت عائشة، ولم يخبرها عن الجميع، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ‏}‏ يعني‏:‏ سكت عن بعض‏.‏ ومن هذا قيل‏:‏ إن الكريم لا يبالغ في العتاب‏.‏ قرأ الكسائي‏:‏ ‏{‏عَرَّفَ‏}‏ بالتخفيف يعني‏:‏ جازاها ببعضه، والباقون ‏{‏عَرَّفَ‏}‏ بالتشديد يعني‏:‏ عرف حفصة‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الخبر حفصة، ‏{‏قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هذا‏}‏ يعني‏:‏ من أخبرك بهذا‏.‏ ‏{‏قَالَ نَبَّأَنِىَ‏}‏ يعني‏:‏ أخبرني ‏{‏العليم الخبير‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تَتُوبَا إِلَى الله‏}‏ يعني‏:‏ عائشة وحفصة، ‏{‏فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا‏}‏ يعني‏:‏ مالت قلوبكما عن الحق‏.‏ وذكر عن الفراء أنه قال‏:‏ معناه إن لا تتوبا إلى الله، ‏{‏فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا‏}‏ عن الحق، ويقال‏:‏ فيه مضمر، ومعناه‏:‏ إن تتوبا إلى الله يقبل الله توبتكما، ويقال معناه إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما يعني‏:‏ مالت إلى الحق‏.‏ وروى الزهري، عن عبد الله بن عباس قال‏:‏ كنت مع عمر رضي الله عنه حين حج، فلما كنا في بعض الطريق، نزل في موضع، فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تَتُوبَا إِلَى الله‏}‏‏؟‏ فقال عمر رضي الله عنه واعجبا لك يا ابن عباس‏.‏ قال الزهري‏:‏ كأنه كره ما سأله عنه، ولم يكتمه‏.‏ قال‏:‏ هي حفصة وعائشة رضي الله عنهما ثم قال‏:‏ كنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفقن نساؤنا يتعلمن من نسائهم‏.‏ فغضبت يوماً على امرأتي، فإذا هي تراجعني‏.‏ فأنكرت أن تراجعني، فقالت ما تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لتراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فدخل على حفصة، فذكرت لها، فقالت‏:‏ نعم‏.‏ فقلت‏:‏ قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله‏؟‏ لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تسأليه شيئاً، واسأليني ما بدا لك‏.‏

قال‏:‏ كان لي جار من الأنصار يأتيني بخبر الوحي، وأتاه بمثل ذلك‏.‏ قال‏:‏ فأتاني يوماً فناداني، فخرجت إليه، فقال‏:‏ حدث أمر عظيم‏.‏ فقلت‏:‏ ماذا‏؟‏ قال‏:‏ طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، فقلت‏:‏ خابت حفصة وخسرت‏.‏ فدخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت‏:‏ أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قالت‏:‏ لا أدري، هو ذا معتزلاً في هذه المشربة‏.‏

فأتيته، فدخلت فسلمت عليه، فإذا هو متكئ على رمل حصير‏.‏ قد أثر في جنبه، فقلت‏:‏ أطلقت نساءك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فقلت‏:‏ الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن‏.‏ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أقسم أن لا يدخل شهراً عليهن، حتى نزل‏:‏ ‏{‏عِلْمَا ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تَتُوبَا إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ‏}‏ يعني‏:‏ تعاونا على أذاه ومعصيته، فيكون مثلكما كمثل امرأة نوح وامرأة لوط، تعملان عملاً تؤذيان بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي ‏{‏تظاهر‏}‏ بالتخفيف، وقرأ نافع وأبو عمرو بالتشديد، وكذلك ابن كثير وابن عامر في إحدى الروايتين، لأن أصله تتظاهر‏.‏ ‏{‏عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه‏}‏ يعني‏:‏ وليه وناصره‏.‏ ‏{‏وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ يعني‏:‏ أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وأصحابه رضي الله عنهم قال‏:‏ حدثنا الفقيه ابن جعفر قال‏:‏ حدثنا أبو بكر أحمد بن حمدان قال‏:‏ حدثنا أحمد بن جرير قال‏:‏ حدثنا سعيد بن هشام قال‏:‏ حدثنا هشام بن عبد الملك، عن محمد بن أبان، عن عبد الله بن عثمان، عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏{‏وصالح الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ قال أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما قال عبد الله‏:‏ فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، قال‏:‏ صدق عكرمة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏صالح المؤمنين‏}‏ يعني‏:‏ خيار أصحابه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ الملائكة أيضاً أنصار النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يعني‏:‏ مع ذلك أعوان النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 8‏]‏

‏{‏عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ‏(‏6‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏7‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏8‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ‏}‏، فخوفهن الله تعالى بفراق النبي صلى الله عليه وسلم إياهن، وعسى من الله واجب ‏{‏إِن طَلَّقَكُنَّ‏}‏ عسى ربه ‏{‏أَن يُبْدِلَهُ أزواجا‏}‏‏.‏ قرأ نافع، وأبو عمرو ‏{‏يُبْدِلَهُ‏}‏ بتشديد الدال، والباقون بالتخفيف ومعناهما واحد‏.‏ يقال‏:‏ بدَّل وأبدل‏.‏ ‏{‏خَيْراً مّنكُنَّ مسلمات‏}‏ يعني‏:‏ مستسلمات لأمر النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ معينات‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏مؤمنات‏}‏ يعني‏:‏ مصدقات في إيمانهن، ‏{‏قانتات‏}‏ يعني‏:‏ مطيعات لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ‏{‏تائبات‏}‏ يعني‏:‏ راجعات عن الذنوب، ‏{‏عابدات‏}‏ يعني‏:‏ موحدات مطيعات، ‏{‏سائحات‏}‏ يعني‏:‏ صائمات‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ إنما سمي الصائم سائحاً، لأن الذي يسيح للعبادة لا زاد معه، يمضي نهاره لا يطعم شيئاً؛ ولذلك سمي الصائم سائحاً، ‏{‏ثيبات وَأَبْكَاراً‏}‏‏.‏ الثيبات‏:‏ جمع الثيب؛ والأبكار‏:‏ جمع البكر‏.‏ وهن العذارى‏.‏ ويقال‏:‏ هذا وعد من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يزوجه في الجنة، والثيب‏:‏ هي آسية امرأة فرعون، والبكر‏:‏ هي مريم أم عيسى عليه السلام وهي ابنة عمران تكون وليته في الجنة، ويجتمع عليها أهل الجنة فيزوج الله تعالى هاتين المرأتين محمداً صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَبْكَاراً يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ بعدوا أنفسكم عن النار بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏وَأَهْلِيكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أهليكم ‏{‏نَارًا‏}‏ بتعليمهم ما ينجيهم منها‏.‏ وقال قتادة‏:‏ مروهم بطاعة الله تعالى، وانهوهم عن معصية الله‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ يعني‏:‏ أوصوا أهليكم بتقوى الله؛ ويقال‏:‏ أدبوهم وعلموهم خيراً، تقوهم بذلك ناراً ‏{‏وَقُودُهَا‏}‏ يعني‏:‏ حطبها‏.‏ والوقود‏:‏ ما توقد به النار يعني‏:‏ حطبها ‏{‏الناس‏}‏ إذا صاروا إليها وحطبها، ‏{‏والحجارة‏}‏ قبل أن يصير الناس إليها، وهي حجارة الكبريت‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ‏}‏ يعني‏:‏ على النار ملائكة موكلين غلاظ يعني‏:‏ أقوياء يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم ‏{‏لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ ليسوا كأعوان ملوك الدنيا يمتنعون بالرشوة، ولكن يفعلون ‏{‏مَا يُؤْمَرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا يفعلون غير ما أمرهم الله تعالى‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏يُؤْمَرُونَ يأَيُّهَا الذين كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم‏}‏ يعني‏:‏ يقول لهم الملائكة يوم القيامة حين يعتذرون‏:‏ ‏{‏لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم‏}‏ يعني‏:‏ لا يقبل منكم العذر‏.‏ ‏{‏إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ تعاقبون بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي‏.‏ ثم أمر المؤمنين بالتوبة عن الذنوب‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏تَعْمَلُونَ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً‏}‏ يعني‏:‏ صادقاً في توبته، ويقال‏:‏ تنصحون لله فيها من غير مداهنة‏.‏

وروى سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير قال‏:‏ سئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن التوبة النصوح، فقال‏:‏ هو الرجل يتوب من عمل السوء، ثم لا يعود إليه أبداً‏.‏

وروي، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ توبة النصوح‏:‏ الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإضمار أن لا يعود إليها‏.‏ قرأ نافع، وعاصم في إحدى الروايتين ‏{‏تَوْبَةً نَّصُوحاً‏}‏ بضم النون، والباقون بالنصب‏.‏ فمن قرأ بالنصب، فهو صفة التوبة يعني‏:‏ توبة بالغة في النصح، كما يقال‏:‏ رجل صبور وشكور‏.‏ ومن قرأ بالضم، يعني‏:‏ ينصحوا بها نصوحاً، كما يقال‏:‏ نصحت له نصحاً ونصوحاً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سيئاتكم‏}‏ يعني‏:‏ يغفر لكم ما مضى من ذنوبكم إن تبتم‏.‏ ‏{‏وَيُدْخِلَكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبى‏}‏ صار اليوم نصاً لنزع الخافض ‏{‏يعني‏}‏‏.‏ يكفر عنكم في يوم لا يخزي الله النبي‏.‏ قال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ لا يعذب الله النبي، ويقال‏:‏ يوم لا يخزيه فيما أراد من الشفاعة‏.‏ وغيره، وتم الكلام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏النبى والذين ءامَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ على الصراط‏.‏ وروى الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ نُورُهُ أَبْعَدُ ما بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدنِ أبْيَنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُوُرُه لَا يُجَاوِزُ قَدَمَيْهِ» فقال‏:‏ ‏{‏نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ يضيء بين أيديهم‏.‏ ‏{‏وبأيمانهم‏}‏ يعني‏:‏ عن أيمانهم وعن شمائلهم على وجه الإضمار‏.‏ ‏{‏يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا‏}‏، ذلك حين طفئت أنوار المنافقين، أشفق المؤمنون على نورهم، ويتفكرون فيما مضى منهم من العذاب، فيقولون‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا‏}‏ يعني‏:‏ احفظ علينا نورنا، ‏{‏واغفر لَنَا‏}‏ ما مضى من ذنوبنا ‏{‏إِنَّكَ على كُلّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏ من إتمام النور والمغفرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 12‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏9‏)‏ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ‏(‏10‏)‏ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏11‏)‏ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين‏}‏ يعني‏:‏ جاهد الكفار بالسيف، وجاهد المنافقين بالقول والتهديد‏.‏ ‏{‏واغلظ عَلَيْهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ اشدد عليهم، يعني‏:‏ على كلا الفريقين، يعني‏:‏ على الكفار بالسيف، وعلى المنافقين باللسان‏.‏ ‏{‏وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ‏}‏ يعني‏:‏ إن لم يرجعوا ولم يتوبوا، فمرجعهم إلى جهنم، ‏{‏وَبِئْسَ المصير‏}‏ يعني‏:‏ بئس القرار وبئس المرجع‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ضَرَبَ الله مَثَلاً‏}‏ يعني‏:‏ وصف الله شبهاً لكفار مكة، وذلك أنهم استهزؤوا وقالوا‏:‏ إن محمداً صلى الله عليه وسلم يشفع لنا‏.‏ فبيّن الله تعالى أن شفاعته عليه السلام لا تنفع لكفار مكة، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته‏.‏ وشفاعة لوط لامرأته‏.‏ وذلك قوله‏:‏ ‏{‏لّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ‏}‏ واسمها واعلة، ‏{‏ضَرَبَ الله‏}‏ واسمها داهلة‏.‏ ويقال‏:‏ فيه تخويف لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ليثبتن على دينه وطاعته‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صالحين‏}‏ يعني‏:‏ نوحاً ولوطاً عليهما السلام ‏{‏فَخَانَتَاهُمَا‏}‏ يعني‏:‏ خالفتاهما في الدين‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ ما زنت امرأة نبي قط، وما كانت خيانتهما إلا في الدين‏.‏ فأما امرأة نوح كانت تخبر الناس أنه مجنون، وأما امرأة لوط كانت تدل على الأضياف‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ الخيانة في كل شيء ليس في الزنى‏.‏ ‏{‏فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئاً‏}‏ يعني‏:‏ لم يمنعهما صلاح زوجيهما مع كفرهما من الله شيئاً، يعني‏:‏ من عذاب الله شيئاً‏.‏ ‏{‏وَقِيلَ‏}‏ لهما في الآخرة‏:‏ ‏{‏ادخلا النار مَعَ الدخلين‏}‏، فكذلك كفار مكة، وإن كانوا أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم، لا ينفعهم صلاح النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وكذلك أزواجه، إذا خالفنه‏.‏

ثم ضرب الله مثلاً للمؤمنين، فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ بيَّن الله شبهاً وصفة للمؤمنين الذين آمنوا‏.‏ ‏{‏امرأة فِرْعَوْنَ‏}‏، فإنها كانت صالحة، لم يضرها كفر فرعون، فكذلك من كان مطيعاً لله لا يضره شر غيره؛ ويقال‏:‏ هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، يعني‏:‏ لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون، صبرت على إيذاء فرعون‏.‏ ‏{‏إِذْ قَالَتْ رَبّ ابن لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى الجنة‏}‏؛ وذلك أن فرعون لما علم بإيمانها، فطلب منها أن ترجع، فأبت ولم ترجع عن إيمانها، فوتدها بأربعة أوتاد في يديها ورجليها، وربطها وجعل على صدرها حجر الرحى، وجعلها في الشمس‏.‏ فأراها الله تعالى بيتها في الجنة، ونسيت ما هي فيه من العذاب، وضحكت، فقالوا عند ذلك‏:‏ هي مجنونة تضحك، وهي في العذاب‏.‏

وروى أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال‏:‏ كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا ذرت، أي طلعت الشمس وارتفعت، أظلتها الملائكة بأجنحتها، وأريت مقعدها من الجنة‏.‏

وروى قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ»‏.‏

ثُمّ قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏رَبّ ابن لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى الجنة‏}‏ يعني‏:‏ ارزقني في الجنة‏.‏ ‏{‏وَنَجّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ‏}‏ يعني‏:‏ من عذاب فرعون وظلمه‏.‏ ‏{‏وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين‏}‏ يعني‏:‏ من قوم فرعون، يعني‏:‏ من تعييرهم وشماتتهم‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ‏}‏ يعني‏:‏ واذكر مريم، ويقال‏:‏ معناه‏:‏ وضرب الله مثلاً مريم ابنة عمران وصبرها على إيذاء اليهود، ‏{‏التى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا‏}‏ يعني‏:‏ عفت نفسها عن الفواحش‏.‏ ‏{‏فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا‏}‏ يعني‏:‏ أرسلنا جبريل عليه السلام فنفخ في جيب درعها، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا‏}‏ أي‏:‏ في جيبها، أي روحاً من أرواحنا، وهي روح عيسى عليه السلام ‏{‏وَصَدَّقَتْ بكلمات رَبَّهَا‏}‏ أي‏:‏ صدقت بعيسى عليه السلام ويقال‏:‏ صدقت بالبشارات التي بشرها بها جبريل‏.‏ ‏{‏وَكُتُبِهِ‏}‏ يعني‏:‏ آمنت بكتاب الله تعالى؛ وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص ‏{‏وَكُتُبِهِ‏}‏ يعني‏:‏ الكتب التي أنزلت على الأنبياء، والباقون ‏{‏***بكتابه‏}‏ يعني‏:‏ الإنجيل‏.‏ وقرأ بعضهم ‏{‏وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَة رَبُّهَا‏}‏ يعني‏:‏ صار عيسى مخلوقاً بكلمة الله، فصدقت بذلك‏.‏ ‏{‏وَكَانَتْ مِنَ القانتين‏}‏ يعني‏:‏ المطيعين لله‏.‏

سورة الملك

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏1‏)‏ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ‏(‏2‏)‏ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ‏(‏3‏)‏ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ‏(‏4‏)‏ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ‏(‏5‏)‏ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏6‏)‏ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ‏(‏7‏)‏ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ‏(‏8‏)‏ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ‏(‏9‏)‏ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏(‏10‏)‏ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الذى بِيَدِهِ الملك‏}‏ يعني‏:‏ تعالى وتعظم‏.‏ وهذا قول ابن عباس وقيل‏:‏ تفاعل من البركة‏.‏ وقال الحسن‏:‏ تبارك يعني‏:‏ تقدس ‏{‏الذى بِيَدِهِ الملك‏}‏ يعني‏:‏ الذي له الملك، كما قال‏:‏ ‏{‏لَّهُ مُلْكُ السموات والارض‏}‏ ويقال‏:‏ ‏{‏الذى بِيَدِهِ الملك‏}‏ يعني‏:‏ الذي له القدرة ونفاذ الأمر‏.‏ ‏{‏وَهُوَ على كُلّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ في العز والذل، يعز من يشاء ويذل من يشاء‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏الذى خَلَقَ الموت والحياة‏}‏ قال مقاتل‏:‏ ‏{‏خَلَقَ الموت‏}‏ يعني‏:‏ النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني‏:‏ خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار حياً‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏خَلَقَ الموت‏}‏ بمنزلة كبش أملح، لا يمر على شيء، ولا يجد ريحه شيء إلا مات ‏{‏والحياة‏}‏ شيء كهيئة الفرس البلقاء الأنثى التي يركب عليها جبريل والأنبياء‏.‏ وقال قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏خَلَقَ الموت والحياة‏}‏ يعني‏:‏ أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏خَلَقَ الموت والحياة‏}‏ يعني‏:‏ قدر الحياة ثم قدر الموت بعد الحياة‏.‏ ‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ ليختبركم ما بين الحياة والموت‏.‏ ‏{‏أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً‏}‏ في حياته، ويقال‏:‏ أيكم أكمل عملاً وأخلص عملاً‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏خَلَقَ الموت والحياة‏}‏ أي‏:‏ خلق الحياة للامتحان، وخلق؛ الموت للجزاء كما قيل‏:‏ لولا المحن لقدمنا مفاليس، وذلك أن الله تعالى، خلق الجنة‏.‏ وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وابتلاهم بالعمل والأمر والنهي، فيستوجبون بفعلهم الثواب والعقاب‏.‏ والابتلاء من الله تعالى، أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه في الغيب‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ العزيز الغفور‏}‏ يعني‏:‏ العزيز بالنقمة للكافر، والغفور لمن تاب منهم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏الذى خَلَقَ‏}‏ يعني‏:‏ تبارك الذي خلق ‏{‏سَبْعَ سموات طِبَاقاً‏}‏ يعني‏:‏ مطبقاً بعضها فوق بعض مثل القبة‏.‏ ‏{‏مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت‏}‏‏.‏ قرأ حمزة، والكسائي‏:‏ ‏{‏مِن تفاوت‏}‏ بغير ألف، والباقون بالألف، وهما لغتان‏.‏ تفاوت الشيء وتفوت، إذا اختلف، يعني‏:‏ ما ترى في خلق الرحمن اختلافاً واضطراباً، ويقال‏:‏ ما ترى فيها من اعوجاج، ولكنه مستوي‏.‏ ويقال‏:‏ معناه ما ترى في خلق السموات من عيب‏.‏ وأصله من الفوت أي يفوت الشيء، فيقع فيه الخلل، ولكنه متصل بعضها ببعض‏.‏

ثم أمر بأن ينظروا في خلقه، ليعتبروا به ويتفكروا في قدرته، فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏فارجع البصر‏}‏ يعني‏:‏ رد البصر إلى السماء‏.‏ ويقال‏:‏ قلب البصر في السماء، ويقال‏:‏ اجتهد بالنظر إلى السماء‏.‏ ‏{‏هَلْ ترى مِن فُطُورٍ‏}‏‏؟‏ يعني‏:‏ هل ترى فيها من شقوق‏؟‏ ويقال‏:‏ هل ترى فروجاً أو صدوعاً أو خللاً‏؟‏ ‏{‏ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ‏}‏ يعني‏:‏ انظر إليها وإنما أمر بالنظر إلى السماء مرتين، لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة، لا يرى أثر عيبه ما لم ينظر فيه مرة أخرى؛ فأخبر الله تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرتين، لا يرى فيها عيباً، بل يتحير بالنظر إليها، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا‏}‏ يعني‏:‏ يرجع البصر ذليلاً‏.‏

‏{‏وَهُوَ حَسِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏خَاسِئًا‏}‏ أي مبعداً، ‏{‏وَهُوَ حَسِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه قبل أن يرى شيئاً من الخلل‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح‏}‏ يعني‏:‏ بالنجوم والكواكب‏.‏ ‏{‏وجعلناها رُجُوماً للشياطين‏}‏ يعني‏:‏ جعلنا بعض النجوم رمياً للشياطين، إذا تصدوا استراق السمع‏.‏ ‏{‏وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ للشياطين ‏{‏عَذَابِ السعير‏}‏ يعني‏:‏ الوقود‏.‏ ‏{‏وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ أعتدنا للذين جحدوا ‏{‏بِرَبّهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ بوحدانية الله تعالى ‏{‏عَذَابَ جَهَنَّمَ‏}‏‏.‏ قرئ في الشاذ ‏{‏عَذَابَ جَهَنَّمَ‏}‏ بالنصب يعني‏:‏ أعتدنا لهم عذاب جهنم، فيصير نصباً لوقوع الفعل عليه، وقراءة العامة بالضم، على معنى خبر الابتداء‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَبِئْسَ المصير‏}‏ يعني‏:‏ المرجع‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ ألقوا الكفار في نار جهنم‏.‏ ‏{‏سَمِعُواْ لَهَا‏}‏ يعني‏:‏ سمعوا منها ‏{‏شَهِيقًا‏}‏ يعني‏:‏ صوتاً كصوت الحمار‏.‏ ‏{‏وَهِىَ تَفُورُ‏}‏ يعني‏:‏ تغلي كغلي المرجل‏.‏ ‏{‏تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ‏}‏ يعني‏:‏ تكاد تتفرق من غيظها على أعداء الله تعالى‏.‏ ‏{‏كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ‏}‏ يعني‏:‏ من النار فوج، يعني‏:‏ أمة من الأمم‏.‏ ‏{‏سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ رسولاً يخبركم ويخوفكم‏؟‏ ‏{‏قَالُواْ بلى‏}‏ يعني‏:‏ يقولون‏:‏ بلى ‏{‏قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ الرسول، ‏{‏فَكَذَّبْنَا‏}‏ الرسول، ‏{‏وَقُلْنَا‏}‏‏:‏ إنكم لكاذبون على الله تعالى‏.‏ ‏{‏مَا نَزَّلَ الله مِن شَئ‏}‏ يعني‏:‏ كتاباً ولا رسولاً‏.‏ ‏{‏إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ‏}‏ يعني‏:‏ قلنا لهم ما أنتم إلا في خطأ عظيم‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ‏}‏ يعني‏:‏ لو كنا نسمع إلى الحق ‏{‏أَوْ نَعْقِلُ‏}‏ يعني نرغب في الهدى ونتفكر في الخلق‏.‏ ‏{‏مَا كُنَّا فِى أصحاب السعير‏}‏ يعني‏:‏ مع أصحاب الزقوم في النار‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ ما كنا في أهل النار‏.‏ ‏{‏فاعترفوا بِذَنبِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ أقروا بشركهم ‏{‏فَسُحْقًا‏}‏ يعني‏:‏ فبعداً من رحمة الله تعالى ‏{‏لاصحاب السعير‏}‏ يعني‏:‏ الوقود‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ‏{‏فَسُحْقًا‏}‏ نصب على المصدر، فمعناه أسحقهم الله سحقاً، فباعدهم من رحمته‏.‏ والسحق‏:‏ البعيد، كقوله‏:‏ ‏{‏في مكان سحيق‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 31‏]‏ أي‏:‏ بعيد‏.‏ قرأ الكسائي بضم السين والحاء، وجزم الحاء والباقون بضم السين، وهما لغتان معناهما واحد‏.‏ ثم بين حال المؤمنين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 20‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ‏(‏12‏)‏ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏13‏)‏ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ‏(‏14‏)‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ‏(‏15‏)‏ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ‏(‏16‏)‏ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ‏(‏17‏)‏ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ‏(‏18‏)‏ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ‏(‏19‏)‏ أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ‏(‏20‏)‏‏}‏

فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ يخافون الله تعالى ويخافون عذابه، الذي هو ‏{‏بالغيب‏}‏، فهو عذاب يوم القيامة‏.‏ ‏{‏لَهُم مَّغْفِرَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ مغفرة لذنوبهم ‏{‏وَأَجْرٌ كَبِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ ثواباً عظيماً في الجنة ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ‏}‏‏.‏ اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر يعني‏:‏ إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أو جهرتم به‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور‏}‏ يعني‏:‏ بما في القلوب من الخير والشر، وذلك أن جماعة من الكفار كانوا يتشاورون فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض‏:‏ لا تجهروا بأصواتكم، فإن رب محمد يسمع فيخبره، قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ قل لهم يا محمد‏:‏ ‏{‏أَسَرُّواْ *** قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ‏}‏ فإنه يعلم به‏.‏

ثم أخبر بما هو أخفى من هاتين الحالتين، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور‏}‏ يعني‏:‏ فكيف لا يعلم قول السر‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ‏}‏ يعني‏:‏ ألا يعلم السر، من خلق السر يعني‏:‏ هو خلق السر في قلوب العباد، فكيف لا يعلم بما في قلوب العباد‏؟‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ اللطيف الخبير‏}‏ يعني‏:‏ لطف علمه بكل شيء، يعني‏:‏ يرى أثر كل شيء بما في القلوب من الخير والشر؛ ويقال‏:‏ ‏{‏لَطِيفٌ‏}‏ يرى أثر النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ‏{‏خَبِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ عالم بأفعال العباد وأقوالهم‏.‏

ثم ذكر نعمه على خلقه، ليعرفوا نعمته، فيشكروه ويوحدوه، فقال‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض ذَلُولاً‏}‏ يعني‏:‏ خلق لكم الأرض ذلولاً، ومدها وذللها؛ وجعلها لينة، لكي تزرعوا فيها، وتنتفعوا منها بألوان المنافع، ‏{‏فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا‏}‏ يعني‏:‏ لكي تمشوا في أطرافها ونواحيها وجبالها‏.‏ وهذا خبر بلفظ الأمر؛ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا‏}‏ يعني‏:‏ جوانبها‏.‏ ومنكبا الرجل‏:‏ جانباه‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏مَنَاكِبِهَا‏}‏‏:‏ جبالها‏.‏ قال‏:‏ وكان لبشر بن كعب سرية، فقال لها‏:‏ إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة لوجه الله‏؟‏ فقالت‏:‏ مناكبها‏:‏ جبالها، فصارت حرة‏.‏ فأراد أن يتزوجها، فسأل أبو الدرداء، فقال له‏:‏ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك‏.‏

ويقال‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض ذَلُولاً‏}‏، أي سهل لكم السلوك ‏{‏فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا‏}‏، أي‏:‏ تمشون فيها‏.‏ ‏{‏وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ‏}‏ يعني‏:‏ تأكلون من رزق الله تعالى وتشكرونه‏.‏ ‏{‏وَإِلَيْهِ النشور‏}‏ يعني‏:‏ إلى الله تبعثون من قبوركم‏.‏ ويقال‏:‏ معناه‏:‏ هو الذي ذلل لكم الأرض، قادر على أن يبعثكم، لأنه ذكر أولاً خلق السماء، ثم ذكر خلق الأرض، ثم ذكر النشور‏.‏

ثم خوفهم، فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏ءامَنْتُمْ *** مَّن فِى السماء‏}‏‏؟‏ قال الكلبي، ومقاتل‏:‏ يعني‏:‏ أمنتم عقوبة من في السماء‏؟‏ يعني‏:‏ الرب تعالى إن عصيتموه‏.‏

ويقال‏:‏ هذا على الاختصار؛ ويقال‏:‏ أمنتم عقوبة من هو جار حكمه في السماء‏.‏ قرأ أبو عمرو، ونافع ‏{‏أَمِنتُمْ‏}‏ بالمد، والباقون بغير مد بهمزتين، ومعناهما واحد وهو الاستفهام، والمراد به التوبيخ‏.‏ وقرأ ابن كثير بهمزة واحدة بغير مد، على لفظ الخبر‏.‏ ‏{‏أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الارض‏}‏ يعني‏:‏ يغور بكم الأرض، كما فعل بقارون‏.‏ ‏{‏فَإِذَا هِىَ تَمُورُ‏}‏ يعني‏:‏ تدور بكم إلى الأرض السفلى‏.‏

‏{‏أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السماء‏}‏ يعني‏:‏ عذاب من في السماء‏.‏ ‏{‏أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصبا‏}‏ يعني‏:‏ حجارة كما أرسلنا إلى قوم لوط‏.‏ وقال القتبي‏:‏ «أم» على وجهين، مرة يراد بها الاستفهام، كقوله‏:‏ ‏{‏أَمْ يَحْسُدُونَ الناس‏}‏، ومرة يراد بها أو، كقوله‏:‏ ‏{‏أَمْ أَمِنتُمْ‏}‏ ويعني‏:‏ أو أمنتم‏.‏ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 68‏]‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ‏}‏ يعني‏:‏ تعبيري عليهم بالعذاب‏.‏ ويقال‏:‏ معناه سيظهر لكم كيف عذابي‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ الأمم الخالية كذبوا رسلهم، ‏{‏فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ‏}‏‏؟‏ يعني‏:‏ كيف كانت عقوبتي إياهم وإنكاري لهم‏؟‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ *** يَرَوْا إِلَى الطير‏}‏‏؟‏ يعني‏:‏ أو لم يعتبروا في خلق الله تعالى كيف خلق الطيور‏؟‏ ‏{‏فَوْقَهُمْ صافات‏}‏ يعني‏:‏ باسطات أجنحتها في الهواء‏.‏ ‏{‏وَيَقْبِضْنَ‏}‏ يعني‏:‏ ويضممن أجنحتهن ويضربن بها‏.‏ ‏{‏مَا يُمْسِكُهُنَّ‏}‏ يعني‏:‏ ما يحفظهن في الهواء عند القبض والبسط‏.‏ ‏{‏إِلاَّ الرحمن إِنَّهُ بِكُلّ شَئ بَصِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ عالماً بصلاح كل شيء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 30‏]‏

‏{‏أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ‏(‏21‏)‏ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏22‏)‏ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ‏(‏23‏)‏ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏24‏)‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏25‏)‏ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏26‏)‏ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ‏(‏27‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏28‏)‏ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏29‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ‏(‏30‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَمَّنْ هذا الذى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ حزب لكم ومنفعة لكم‏.‏ ‏{‏يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ الرحمن‏}‏ يعني‏:‏ من عذاب الرحمن؛ ومعناه‏:‏ هاتوا أخبروني من الذي يمنعكم من عذاب الله تعالى إن عصيتموه‏.‏ ‏{‏إِنِ الكافرون إِلاَّ فِى غُرُورٍ‏}‏ يعني‏:‏ ما الكافرون إلا في خداع وأباطيل‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَمَّنْ هذا الذى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ‏}‏ يعني‏:‏ من الذي يرزقكم إن حبس الله رزقه‏؟‏ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السمآء والارض لاَ إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُؤْفَكُونَ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 3‏]‏‏؟‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏بَل لَّجُّواْ‏}‏ يعني‏:‏ تمادوا في الذنب‏.‏ ويقال‏:‏ تمادوا في الكفر‏.‏ ويقال‏:‏ بل مضوا ‏{‏فِى عُتُوّ‏}‏ يعني‏:‏ في تكبر ‏{‏وَنُفُورٍ‏}‏ يعني‏:‏ تباعداً من الإيمان‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً على وَجْهِهِ‏}‏ يعني‏:‏ الكافر يمشي ضالاً في الظلمة أعمى القلب‏.‏ ‏{‏أهدى‏}‏ يعني‏:‏ هو أصوب ديناً‏.‏ ‏{‏أَفَمَن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ هو المؤمن يعمل بطاعة الله يعني‏:‏ على دين الإسلام‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً على وَجْهِهِ‏}‏، قال‏:‏ هو الكافر عمل بمعصية الله، يحشره الله تعالى يوم القيامة على وجهه ‏{‏أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏، هو المؤمن يعمل بطاعة الله تعالى، يسلك به يوم القيامة طريق الجنة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أعلم الله تعالى أن المؤمن يسلك الطريق المستقيم، وإن كان الكافر في ضلال بمنزلة الذي يمشي مكباً على وجهه‏.‏ قال مقاتل‏:‏ نزلت في شأن أبي جهل؛ وقال بعضهم‏:‏ هو وجميع الكفار‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الذى أَنشَأَكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ خلقكم ‏{‏وَجَعَلَ لَكُمُ السمع‏}‏ لكي تسمعوا بها الحق، ‏{‏والابصار‏}‏ يعني‏:‏ لكي تبصروا، ‏{‏والافئدة‏}‏ يعني‏:‏ القلوب لكي تعقلوا بها الهدى‏.‏ ‏{‏قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ شكركم فيما صنع إليكم قليلاً‏.‏ ويقال‏:‏ معناه خلق لكم السمع والأبصار والأفئدة آلة لطاعات ربكم، وقطعاً لحجتكم، وقدرة على ما أمركم؛ فاستعملتم الآلات في طاعة غيره ولم توحدوه‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الذى ذَرَأَكُمْ فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ خلقكم‏.‏ ويقال‏:‏ كثركم في الأرض، وأنزلكم في الأرض‏.‏ ‏{‏وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ إليه ترجعون بعد الموت، فيجازيكم بأعمالكم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ يعني‏:‏ البعث بعد الموت إن كنتم صادقين أنَّا نبعث، خاطبوا به النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الجماعة‏.‏ ويقال‏:‏ أراد به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا العلم عِندَ الله‏}‏ يعني‏:‏ علم قيام الساعة عند الله‏.‏ ‏{‏وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏}‏ يعني‏:‏ مخوف أخوفكم بلغة تعرفونها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ‏}‏ يعني‏:‏ لما رأوا العذاب قريباً‏.‏ ويقال‏:‏ لما رأوا القيامة قريبة وسيئت ‏{‏وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ ذللت، ويقال‏:‏ قبحت وسودت‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً‏}‏ يعني‏:‏ لما رأوا ما وعدهم الله قريباً منهم؛ وقال الزجاج‏:‏ ‏{‏سيئات‏}‏ أي‏:‏ تبيَّن فيها السوء في وجوه الذين كفروا‏.‏ ‏{‏وَقِيلَ هذا الذى كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ‏}‏، أي‏:‏ تشكون في الدنيا قرأ قتادة، والضحاك، ويعقوب الحضرمي‏:‏ ‏{‏تَدْعُونَ‏}‏ بالتخفيف يعني‏:‏ تستعجلون، وتدعون إليه في قولكم‏:‏ فأمطر علينا حجارة من السماء، وقراءة العامة ‏{‏تَدْعُونَ‏}‏ بالتشديد يعني‏:‏ تكذبون‏.‏ ويقال‏:‏ من أجله ‏{‏تَدْعُونَ‏}‏ الأباطيل يعني‏:‏ تدعون أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً، لا ترجعون ولا تجازون‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏تَدْعُونَ‏}‏ أي‏:‏ تتمنون‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ الله وَمَن مَّعِىَ‏}‏ يعني‏:‏ إن عذبنا الله‏.‏ ‏{‏أَوْ رَحِمَنَا‏}‏ يعني‏:‏ غفر لنا‏.‏ ‏{‏فَمَن يُجِيرُ الكافرين‏}‏ يعني‏:‏ من ينجيهم ويغيثهم ‏{‏مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم‏:‏ «نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بالله، وَنَتَوَسَّلُ بِعِبَادَتِهِ إلَيهِ، لاَ نَأْمَنُ عَذَابَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ مَعَ كُفْرِكُم بِهِ مِنْ عَذَابِهِ وَعُقُوبَتِهِ‏؟‏» فمن يجير الكافرين من عذاب أليم‏؟‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الرحمن ءامَنَّا بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ قل هو الرحمن بفضله، إن شاء عذبنا، وإن شاء رحمنا‏.‏ ‏{‏وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا‏}‏ يعني‏:‏ فوضنا إليه أمورنا‏.‏ ‏{‏فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ يعني‏:‏ فستعرفون، عند نزول العذاب، من هو في خطأ بيِّن‏.‏ قرأ الكسائي‏:‏ ‏{‏فَسَيَعْلَمُونَ‏}‏ بالياء بلفظ الخبر، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة يعني‏:‏ سوف تعلمون يا كفار مكة‏.‏

‏{‏قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً‏}‏ يعني‏:‏ إن صار ماؤكم غائراً، لا تناله الأيدي ولا الدلاء‏.‏ ‏{‏فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ‏}‏ يعني‏:‏ بماء طاهر‏.‏ والغور والغائر، يقال‏:‏ ماء غور‏.‏ ومياه غور وهو مصدر لا يثنى ولا يجمع‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏بِمَاء مَّعِينٍ‏}‏ يعني‏:‏ جار‏.‏ وروى عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما يعني‏:‏ الطاهر‏.‏ وروى أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «سُورَةٌ فِي القُرْآنِ ثَلاَثُونَ، شُفَعَتْ لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ‏.‏ ‏{‏تبارك الذي بيده الملك»‏.‏

وروى زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ يؤتى بالرجل في قبره من قبل رأسه، فيقول له‏:‏ ليس لك علي من سبيل‏.‏ قد كان يقرأ على سورة الملك، فيؤتى من قبل رجليه، فيقول‏:‏ ليس لك علي سبيل‏.‏ كان يقوم بسورة الملك، فيؤتى من قبل جوفه، فيقول‏:‏ ليس لك علي سبيل‏.‏ قد أوعاني سورة الملك، قال‏:‏ وهي المنجية تنجي صاحبها من عذاب القبر‏.‏ وروى ابن الزبير، عن جابر قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ سورة ‏{‏الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه‏}‏ و‏{‏تَبَارَكَ الذى بِيَدِهِ الملك‏}‏؛ والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم‏.‏

سورة القلم

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ‏(‏1‏)‏ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ‏(‏2‏)‏ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ‏(‏3‏)‏ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ‏(‏4‏)‏ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ‏(‏5‏)‏ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏ن والقلم‏}‏‏.‏ قرأ الكسائي، ونافع، وعاصم في إحدى الروايتين بالإِدغام، والباقون بإظهار النون، وهما لغتان ومعناهما واحد‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ هي السمكة التي تحت الأرضين‏.‏ وروى الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال‏:‏ أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ القَلَمَ فَقَالَ اكْتُبْ، قَالَ بِمَا أَكْتُبُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ اكْتُبِ القَدَرَ فَيَجْرِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى قِيامِ السَّاعَةِ‏.‏ ثم خلق النون يعني‏:‏ السمكة، فدحا الأرض عليها فارتفع بخار الماء، ففتق منه السموات، فاضطربت النون فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال‏.‏ وإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة‏.‏ وقال سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة‏:‏ النون‏:‏ الدواة، وقال قتادة‏:‏ الدواة والقلم‏:‏ ما قام لله وبه لإصلاح عيش خلقه، والله يعلم ما يصلح خلقه‏.‏ ويقال‏:‏ النون‏:‏ افتتاح اسم الله تعالى، وهو النون‏.‏ ويقال‏:‏ هو آخر اسمه من الرحمن، وهذا قسم أقسم الله تعالى بالنون والقلم، وجواب القسم ‏{‏مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ‏}‏، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏نون‏}‏‏.‏

‏{‏والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ‏}‏ يكتُب الحفظة من أعمال بني آدم؛ ويقال‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْطُرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ تكتب الحفظة في اللوح المحفوظ‏.‏ ‏{‏مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ‏}‏ يعني‏:‏ ما أنت بحمد الله تعالى بمجنون ‏{‏وَمَا أَنت بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ‏}‏ كما يزعمون، وذلك أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم رَبِّكَ الذى خَلَقَ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 1‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 5‏]‏ وعلمه جبريل الصلاة، فقال أهل مكة‏:‏ جن محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وكان النبي يفر من الشاعر والمجنون‏.‏ فلما نسبوه إلى الجنون، شق ذلك عليه، فنزل‏:‏ ‏{‏مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ‏}‏‏.‏ ويقال‏:‏ بل أنت رسول الله تعالى‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ لَكَ لاَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ‏}‏ يعني‏:‏ غير مقطوع، ويقال‏:‏ غير محسوب، ويقال‏:‏ لا يمن عليك‏.‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ على خلق حسن؛ وقال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ على دين الإسلام، وقال عطية‏:‏ يعني‏:‏ على آدب القرآن‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ سترى ويرون ويقال فستعلم ويعلمون ‏{‏بِأَيّكُمُ المفتون‏}‏ يعني‏:‏ إذا نزل بهم العذاب تعلمون أيكم المفتون، يعني‏:‏ بأيكم المجنون ويقال الباء زيادة، ومعناه أيكم المفتون يعني أيكم المجنون، وقال قتادة‏:‏ يعني‏:‏ أيكم أولى بالسلطة، وقال أبو عبيدة‏:‏ أيكم المجنون والباء زيادة، واحتج بقول القائل‏:‏ نضرب بالسيف، ونرجو بالفرج يعني‏:‏ نرجو الفرج‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 16‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‏(‏7‏)‏ فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏8‏)‏ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ‏(‏9‏)‏ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ‏(‏10‏)‏ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ‏(‏11‏)‏ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ‏(‏12‏)‏ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ‏(‏13‏)‏ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ‏(‏14‏)‏ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏15‏)‏ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ‏(‏16‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ‏}‏ يعني‏:‏ هو عالم بمن أخطأ الطريق عن دينه ‏{‏وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين‏}‏ لدينه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فَلاَ تُطِعِ المكذبين‏}‏، وذلك أنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فأمره الله تعالى أن يثبت على دينه، فقال‏:‏ ‏{‏لاَ تطعالمكذبين‏}‏ بوحدانية الله تعالى‏.‏ ‏{‏وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ‏}‏ قال مجاهد‏:‏ ودوا لو تركن إليهم، وتترك ما أنت عليه من الحق، فيميلون إليك‏.‏ وقال السدي‏:‏ ‏{‏وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ‏}‏ وقال القتبي‏:‏ ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم‏.‏ وكانوا أرادوا أن يعبدوا آلهتهم مدة، ويعبدون الله مدة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَيُدْهِنُونَ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ‏}‏ يعني‏:‏ كذاباً في دين الله والحلاف‏:‏ مكثار الحلف، ‏{‏مُّهِينٌ‏}‏ ضعيف فاجر‏.‏ نزلت في الوليد بن المغيرة‏.‏ وقال القتبي‏:‏ المهين‏:‏ الحقير الدنيء، وقال الزجاج‏:‏ وهو فعيل من المهانة، وهي القلة‏.‏ ومعناه في هذا الموضع‏:‏ القلة في الرأي والتمييز‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏هَمَّازٍ‏}‏ يعني‏:‏ الوليد بن المغيرة، طعّان، لعّان، مغتاب، ‏{‏مَّشَّاء بِنَمِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ يمشي بين الناس بالنميمة‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏هَمَّازٍ‏}‏ يعني‏:‏ عياب ثم قال‏:‏ ‏{‏مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ‏}‏ يعني‏:‏ بخيلاً لا ينتفع بماله لنفسه، وكان ينفق أمواله على غيره‏.‏ ويقال‏:‏ معناه‏:‏ ‏{‏مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ‏}‏ يعني‏:‏ التوحيد، ويمنع الناس عن التوحيد‏.‏ ‏{‏مُعْتَدٍ‏}‏ يعني‏:‏ ظلوماً لنفسه ‏{‏أَثِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ فاجراً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عُتُلٍ‏}‏ يعني‏:‏ شديد الخصومة بالباطل، ويقال‏:‏ ‏{‏عُتُلٍ‏}‏ يعني‏:‏ أكول شروب صحيح الجسم رحيب البطن‏.‏ ‏{‏بَعْدَ ذَلِكَ‏}‏ يعني‏:‏ مع ذلك ‏{‏زَنِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ ملصق‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الزنيم‏:‏ الدعي الملصق، ويستدل بقول القائل

زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَة *** كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الأَدِيمِ الأَكَارِعُ

ويقال‏:‏ الزنيم‏:‏ الشديد الخلق‏.‏ وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوَّاظٌ وَلاَ جَعْظَرِيٌّ وَلاَ العُتُلُّ الزَّنِيمُ‏.‏ قَالَ‏:‏ أَمَّا الجَوَّاظُ، فَالَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ وَتَدْعُوهُ لَظَى نَزَاعَة للشَّوَى» أَيْ الشَّدِيدَ الخُلُقِ رَحِيبَ الجَوْفِ‏.‏ وَأمَّا الجَعْظَرِيُّ، فَالفَظُّ‏.‏ الغَلِيظُ‏.‏ وَأَمَّا العُتُلُّ الزَّنِيمُ، صَحِيحٌ أَكُولٌ شَرُوبٌ ظَلُومٌ لِلنَّاسِ‏.‏ وَيُقَالُ‏.‏ الزَّنِيمُ‏:‏ الدَّعِيُّ وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، قال لأمه‏:‏ إن محمداً لصادق، وأنه قال كذا وكذا، فأقرت والدته له بذلك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ‏}‏ يعني‏:‏ فلا تطعه وإن كان ذا مال وبنين، يعني‏:‏ لا تطعه بسبب ماله‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏قَالَ أساطير الاولين‏}‏ يعني‏:‏ كذبهم وأباطيلهم‏.‏ وقال السدي‏:‏ يعني‏:‏ أساجيع الأولين‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم‏}‏ يعني‏:‏ سنضربه على الوجه، ويقال‏:‏ سنسود وجهه يوم القيامة، ويقال‏:‏ سنسمه على أنفه؛ وقال القتبي‏:‏ للعرب في هذا مذاهب، يقولون للرجال إذا سبه سبة قبيحة، أو يثني عليه فاحشة‏:‏ قد وسم ميسم سوء، يريد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه، كما أن السمة لا يعفو أثرها‏.‏ وقد وصف الله تعالى الوليد بالحلف، والمهانة، والمشي بالنميمة، والبخل، والظلم، والإثم، والدعوى، فألحق به العار لا يفارقه في الدنيا والآخرة‏.‏ قال‏:‏ والذي يدل على هذا، ما روي، عن الشعبي في قوله‏:‏ ‏{‏عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ القتل الشديد‏.‏ والزنيم‏:‏ له زنمة من الشر، يعرف بها كما تعرف الشاة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 33‏]‏

‏{‏إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ‏(‏17‏)‏ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ‏(‏18‏)‏ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ‏(‏19‏)‏ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ‏(‏20‏)‏ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ‏(‏21‏)‏ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ‏(‏22‏)‏ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ‏(‏23‏)‏ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ‏(‏24‏)‏ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ‏(‏25‏)‏ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ‏(‏26‏)‏ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ‏(‏27‏)‏ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ‏(‏28‏)‏ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏29‏)‏ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ‏(‏30‏)‏ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ‏(‏31‏)‏ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ‏(‏32‏)‏ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّا بلوناهم‏}‏ يعني‏:‏ اختبرنا أهل مكة بترك الاستثناء؛ ويقال‏:‏ ابتليناهم بالجوع والشدة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏كَمَا بَلَوْنَا أصحاب الجنة‏}‏ يعني‏:‏ أهل ضيروان، وهي قبيلة باليمن‏.‏ وروى أسباط، عن السدي قال‏:‏ كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلاً صالحاً، وكان إذا بلغ ثماره فأتاه المساكين، فلم يمنعهم من دخولها، وأن يأكلوا منها، وأن يتزودوا فيها‏.‏ فلما مات أبوهم، قال بنوه بعضهم لبعض‏:‏ على ما نعطي أموالنا هؤلاء المساكين‏؟‏ فقالوا‏:‏ فلندع من يصرفها قبل أن يعلم المساكين‏.‏ ولم يستثنوا فانطلقوا وهم يتخافتون، ويقول بعضهم لبعض خفياً‏:‏ أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين فذلك قوله‏:‏ ‏{‏إِذْ أَقْسَمُواْ‏}‏ يعني‏:‏ حلفوا فيما بينهم‏.‏ ‏{‏لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ‏}‏ يعني‏:‏ ليُجدنَّها وقت الصبح، أي‏:‏ ليقطعنها قبل أن يخرج المساكين‏.‏ ‏{‏وَلاَ يَسْتَثْنُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لم يقولوا‏:‏ إن شاء الله تعالى‏.‏

وروي في الخبر‏:‏ أن أباهم كان إذا أراد أن يصرم النخل، اجتمع هناك مساكين كثيرة‏.‏ وقد جعل له علامة، فكل ثمرة تسقط وراء العلامات، كانت للمساكين‏.‏ فكانوا يأخذون الثمر قدر ما يتزودون به أياماً كثيرة‏.‏ فلما مات الرجل، قال بنوه فيما بينهم‏:‏ إن أبانا كان عياله أقل، وحاجته أقل فصار عيالنا أكثر‏.‏ وحاجتنا أكثر فخرجوا بالليل، كي لا يشعر بهم المساكين، فاحترقت نخيلهم في تلك الليلة، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ‏}‏ يعني‏:‏ بعث الله تعالى ناراً على حديقتهم بالليل‏.‏ والطائف‏:‏ الذي أتاك ليلاً فأحرقها وهم نائمون‏.‏ ‏{‏مِّن رَّبّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم‏}‏ يعني‏:‏ صارت الحديقة كالليل المظلم‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الصريم‏:‏ من أسماء الأضداد‏.‏ يسمى الليل صريماً، والصبح صريماً، لأن الليل ينصرم عن النهار، والنهار ينصرم عن الليل‏.‏ ويقال‏:‏ الصريم يعني‏:‏ ذهب ما فيها، فكأنه صرم أي قطع وجز‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ‏}‏ يعني‏:‏ نادى بعضهم لبعض ‏{‏أَنِ اغدوا على حَرْثِكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ اخرجوا بالغداة جذوا زروعكم وصرام نخيلكم‏.‏ ‏{‏إِن كُنتُمْ صارمين‏}‏ يعني‏:‏ إن أردتم أن تصرموها قبل أن يحضرها المساكين‏.‏ ‏{‏فانطلقوا‏}‏ يعني‏:‏ ذهبوا إِلى نخيلهم، ‏{‏وَهُمْ يتخافتون‏}‏ يعني‏:‏ يتشاورون فيما بينهم بكلام خفي‏:‏ ‏{‏أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ على جد في أنفسهم‏.‏ ‏{‏قادرين‏}‏ على جنتهم؛ وقال الزجاج‏:‏ معناه على قصد، وقال القتبي‏:‏ الحرد المنع، ويقال‏:‏ الحرد القصد قادرين واجدين؛ ويقال‏:‏ على قوة ونشاط، ويقال‏:‏ على طريق جنتهم، ويقال‏:‏ الحرد اسم تلك الجنة‏.‏

‏{‏فَلَمَّا رَأَوْهَا‏}‏ يعني‏:‏ أتوها ورأوها مسودة، أنكروها‏.‏ ‏{‏قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ‏}‏ يعني‏:‏ أخطأنا الطريق، وليست هذه جنتنا‏.‏ فلما تفحصوا وعلموا أنها جنتهم وأنها عقوبة لهم، فقالوا‏:‏ ‏{‏بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ‏}‏ يعني‏:‏ حُرِمْنا منفعتها‏.‏

‏{‏قَالَ أَوْسَطُهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أعدلهم وأعقلهم‏:‏ ‏{‏أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ‏}‏ يعني‏:‏ هلا تستثنون في أيمانكم‏.‏ ويقال‏:‏ كان استثناؤهم التسبيح يعني‏:‏ لولا قلتم سبحان الله‏.‏ فندموا على فعلهم‏.‏ ‏{‏قَالُواْ سبحان رَبّنَا‏}‏ يعني‏:‏ نزهوه وعظموه تائبين عن ذنوبهم، ويقال‏:‏ نستغفر ربنا‏.‏ ‏{‏إِنَّا كُنَّا ظالمين‏}‏ يعني‏:‏ ضارين بأنفسنا بمنعنا المساكين‏.‏

‏{‏فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يتلاومون‏}‏ يعني‏:‏ جعل يلوم بعضهم بعضاً لصنيعهم ذلك، ثم ‏{‏قَالُواْ‏}‏ بأجمعهم‏:‏ ‏{‏قَالُواْ ياويلنا إِنَّا كُنَّا طاغين‏}‏ يعني‏:‏ عاصين بمنعنا المساكين‏.‏ ثم قالوا‏:‏ ‏{‏عسى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مّنْهَا‏}‏ يعني‏:‏ يعوضنا خيراً منها في الجنة‏.‏ ‏{‏إِنَّا إلى رَبّنَا راغبون‏}‏ يعني‏:‏ راجين مما عنده‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ العذاب‏}‏ يعني‏:‏ هكذا عذاب الدنيا لمن منع حق الله تعالى‏.‏ ‏{‏وَلَعَذَابُ الاخرة أَكْبَرُ‏}‏ لمن لم يتب ولم يرجع عن ذنبه‏.‏ ويقال‏:‏ هكذا العذاب في الدنيا لأهل مكة بالجوع، ولعذاب الآخرة أعظم‏.‏ ‏{‏لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لو كانوا يفقهون‏.‏ ويقال‏:‏ لو كانوا يصدقون، ثم ذكر ما للمتقين من الثواب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 43‏]‏

‏{‏إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏34‏)‏ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ‏(‏35‏)‏ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ‏(‏36‏)‏ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ‏(‏37‏)‏ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ‏(‏38‏)‏ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ‏(‏39‏)‏ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ ‏(‏40‏)‏ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ‏(‏41‏)‏ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ‏(‏42‏)‏ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ لّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبّهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ في الآخرة ‏{‏جنات النعيم‏}‏‏.‏ فلما ذكر الله تعالى نعيم الجنة، قال عتبة بن ربيعة‏:‏ إن كان كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم، فإن لنا في الآخرة أكثر ما للمسلمين، لأن فضلنا وشرفنا أكثر، فنزل‏:‏ ‏{‏أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين‏}‏ يعني‏:‏ لا يكون حال المسلمين في الهوان والذل كالمشركين‏.‏ ‏{‏مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ وَيْحَكم كيف تقضون بالجَوْر‏؟‏ ‏{‏أَمْ لَكُمْ كتاب فِيهِ تَدْرُسُونَ‏}‏‏؟‏ يعني‏:‏ ألكم كتاب تقرؤون فيه‏؟‏ ‏{‏إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ في الكتاب مما تتمنون‏.‏ ‏{‏أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا بالغة‏}‏‏؟‏ يعني‏:‏ ألكم عهد عندنا وثيق‏؟‏ ‏{‏إلى يَوْمِ القيامة‏}‏‏.‏ يعني‏:‏ في يوم القيامة‏.‏ ‏{‏إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ ما تقضون لأنفسكم في الآخرة‏؟‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَلْهُمْ أَيُّهُم بذلك زَعِيمٌ‏}‏ يعني‏:‏ أيهم كفيل لهم بذلك‏؟‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء‏}‏‏؟‏ يعني‏:‏ شهداء يشهدون أن الذي قالوا لهم حق‏.‏ ‏{‏فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُواْ صادقين‏}‏ يعني‏:‏ يشهدون أن لهم في الآخرة ما للمسلمين، فهذا كله لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر واليأس، يعني‏:‏ ليس لهم ذلك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ‏}‏ يعني‏:‏ اذكر ذلك اليوم‏.‏ ويقال‏:‏ معناه إن الثواب والعقاب‏.‏ الذي ذكر، في يوم يكشف عن ساق‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني‏:‏ يظهر قيام الساعة‏.‏ وروى سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن ابن عباس قال‏:‏ ‏{‏عَن سَاقٍ‏}‏ يعني‏:‏ عن أمر عظيم، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ‏}‏ عن بلاء عظيم، وقال قتادة‏:‏ يكشف الأمر عن شدة الأمر‏.‏

‏{‏وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ‏}‏ قال الفقيه‏:‏ حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا ابن منيع‏:‏ حدثنا هدبة حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمارة القرشي، عن أبي بردة بن أبي موسى قال‏:‏ حدثنا أبي قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مُثِّلَ لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُون فِي الدُّنْيَا، فَذَهَبَ كُلُّ قَوْمٍ إلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَيَبْقَى أَهْلُ التَّوْحِيدِ فِيُقَالُ لَهُمْ‏:‏ كِيْفَ بَقِيْتُمْ، وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ‏؟‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ إنَّ لَنَا رَبّاً كُنّا نَعْبُدُهُ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ نَرَهُ قَالَ أَوَ تَعْرِفُونَهُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ‏؟‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ نَعَمْ‏.‏ فَيُقَالُ لَهُمْ‏:‏ وَكَيْفَ تَعْرِفُونَه وَلَمْ تَرَوْهُ‏؟‏ قَالُوا‏:‏ لا شَبَهَ لَهُ‏.‏ فَيُكْشفُ لَهُمُ الحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إلَى الله تَعَالَى، فَيَخرُّونَ لَهُ سُجّداً، وَيَبْقَى أقْوَامٌ ظُهُورُهُمْ مِثْلَ صِيَاصِي البَقَرِ، فَيُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ‏.‏ فَيَقُولُ الله تَعَالَى عِبَادِي ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ، قَدْ جَعَلْتُ بَدَلَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ رَجُلاً مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى فِي النَّارِ»‏.‏

قال أبو بردة‏:‏ فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال‏:‏ والله الذي لا إله إلا هو، أحدثك أبوك بهذا الحديث‏؟‏ فحلفت له ثلاثة أيمان، فقال عمر‏:‏ ما سمعت في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إلي من هذا الحديث‏.‏

وقال القتبي‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ‏}‏ هذا من الاستعارة، فسمى الشدة ساقاً، لأن الرجل إذا وقع في الشدة، شمَّر عن ساقه، فاستعيرت في موضع الشدة‏.‏ ويقال‏:‏ يكشف ما كان خفياً‏.‏ ويقال‏:‏ يبدؤون عن أمر شديد، وهو عذاب عظيم يوم القيامة‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏خاشعة أبصارهم‏}‏ يعني‏:‏ ذليلة أبصارهم، ‏{‏تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ‏}‏ يعني‏:‏ تغشاهم وتعلوهم كآبة وكشوف وسواد؛ وذلك أن المسلمين، إذا رفعوا رؤوسهم من السجود، صارت وجوههم بيضاء كالثلج‏.‏ فلما نظر اليهود والنصارى والمنافقون، وهم عجزوا عن السجود، حزنوا واغتموا فسودت وجوههم‏.‏ ثم بَيَّنَ المعنى الذي عجزهم عن السجود، فقال‏:‏ ‏{‏وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سالمون‏}‏ يعني‏:‏ يدعون إلى السجود في الدنيا وهم أصحاء معافون، فلم يسجدوا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 52‏]‏

‏{‏فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏44‏)‏ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ‏(‏45‏)‏ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ‏(‏46‏)‏ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ‏(‏47‏)‏ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ‏(‏48‏)‏ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ‏(‏49‏)‏ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏50‏)‏ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ‏(‏51‏)‏ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ‏(‏52‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَذَرْنِى وَمَن يُكَذّبُ بهذا الحديث‏}‏ يعني‏:‏ دع هؤلاء الذين لا يؤمنون بالقرآن‏.‏ ويقال‏:‏ فوض أمرهم إليَّ، فإني قادر على أخذهم متى شئت‏.‏ ‏{‏سَنَسْتَدْرِجُهُم‏}‏ يعني‏:‏ سنأخذهم وسنأتيهم بالعذاب‏.‏ ‏{‏مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ نذيقهم من العذاب درجة، من حيث لا يعلمون أن العذاب نازل بهم‏.‏ وأصله في اللغة من الارتقاء في الدرجة‏.‏ وقال السدي‏:‏ كلما جددوا معصية، جدد لهم نعمة وأنساهم شكرها، فذلك الاستدراج‏.‏ ‏{‏وَأُمْلِى لَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أمهل لهم وأؤجل لهم إلى وقت‏.‏ ‏{‏إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ‏}‏ يعني‏:‏ عقوبتي شديدة إذا نزلت بهم لا يقدرون على دفعها‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً‏}‏‏؟‏ يعني‏:‏ أتسألهم على الإيمان جملاً‏؟‏ ‏{‏فَهُم مّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لأجل الغرم يمتنعون‏.‏ وهذا يرجع إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَمْ لَكُمْ كتاب فِيهِ تَدْرُسُونَ‏}‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏أَمْ عِندَهُمُ الغيب‏}‏‏؟‏ يعني‏:‏ اللوح المحفوظ‏.‏ ‏{‏فَهُمْ يَكْتُبُونَ‏}‏ يعني‏:‏ ما يقولون‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ‏}‏ يعني‏:‏ على ما أمر ربك ولقضاء ربك‏.‏ ‏{‏وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت‏}‏ يعني‏:‏ لا تكن في قلة الصبر والضجر مثل يونس عليه السلام ‏{‏إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ‏}‏ يعني‏:‏ مكروباً في بطن الحوت، وقال الزجاج‏:‏ ‏{‏مَكْظُومٌ‏}‏ أي مملوء غماً‏.‏ ‏{‏لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مّن رَّبّهِ‏}‏ يعني‏:‏ لولا النعمة والرحمة التي أدركته من الله تعالى، ‏{‏لَنُبِذَ بالعراء‏}‏ يعني‏:‏ لطرح بالصحراء‏.‏ والصحراء هي الأرض التي لا يكون فيها نخل ولا شجر، يوارى فيها ‏{‏وَهُوَ مَذْمُومٌ‏}‏ يعني‏:‏ يذم ويلام‏.‏ ولكن كان رحمة من الله تعالى، حيث نبذ بالعراء وهو سقيم وليس بمذموم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاجتباه رَبُّهُ‏}‏ يعني‏:‏ اختاره ربه للنبوة، ‏{‏فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين‏}‏ يعني‏:‏ من المرسلين، كقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين‏}‏‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ أراد الذين كفروا‏.‏ ‏{‏لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم‏}‏ يعني‏:‏ ليرهقونك بأبصارهم إن قدروا على ذلك‏.‏ ويقال‏:‏ معناه إذا قرأت القرآن، فينظرون إليك نظراً شديداً بالعداوة، يكاد يزلقك أي‏:‏ بالعداوة يسقطك من شدة النظر‏.‏ وذكر عن الفراء أنه قال‏:‏ ‏{‏لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم‏}‏ يعني‏:‏ يعتانونك يعني‏:‏ يصيبونك بعيونهم‏.‏ وذلك أن رجلاً من العرب، كان إذا أراد أن يعتان شيئاً، يقبل على طريق الإبل إذا صدرت عن الماء، فيصيب منها ما أراد بعينه، فأرادوا أن يصيبوا النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال الكلبي‏:‏ ‏{‏لَيُزْلِقُونَكَ‏}‏ يعني‏:‏ ليصرعونك‏.‏ ‏{‏لَمَّا سَمِعُواْ الذكر‏}‏ يعني‏:‏ قراءتك القرآن، ‏{‏وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ‏}‏ يعني‏:‏ ما هذا القرآن إلاَّ عظة للجن والإنس؛ ويقال‏:‏ عز وشرف للعالمين‏.‏ قرأ حمزة، وعاصم في رواية أبي بكر‏:‏ ‏{‏أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ‏}‏ بهمزتين، والباقون بهمزة واحدة، إلا ابن عامر، فإنه يقرأ ‏{‏إِن كَانَ‏}‏ بالمد‏.‏ فمن قرأ بهمزتين، فالألف الأولى للاستفهام، والثانية ألف إن‏.‏ ومن قرأ بهمزة واحدة معناه‏:‏ لأن كان ذا مال أي‏:‏ لا تطعه لماله وتحمل لأن كان ذا مال‏.‏ قال‏:‏ أساطير الأولين‏.‏ قرأ نافع‏:‏ ‏{‏لَيُزْلِقُونَكَ‏}‏ بنصب الياء، والباقون بالضم؛ وهما لغتان، ومعناهما واحد؛ والله أعلم بالصواب‏.‏

سورة الحاقة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏الْحَاقَّةُ ‏(‏1‏)‏ مَا الْحَاقَّةُ ‏(‏2‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ‏(‏3‏)‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ‏(‏4‏)‏ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ‏(‏5‏)‏ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ‏(‏6‏)‏ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ‏(‏7‏)‏ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ‏(‏8‏)‏ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ‏(‏9‏)‏ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً ‏(‏10‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحاقة مَا الحاقة‏}‏ وهو اسم من أسماء القيامة، ومعناه القيامة ما القيامة‏؟‏ تعظيماً لأمرها‏.‏ وقال قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏الحاقة‏}‏ يعني‏:‏ حقت لكل قوم أعمالهم يعني‏:‏ حقت للمؤمنين أعمالهم وللكافرين أعمالهم من حق يحق، إذا صح‏.‏ وذكر عن الفراء أنه قال‏:‏ إنما قيل لها الحاقة، لأن فيها حواق الأمور‏.‏ يقال‏:‏ لقد حق عليك الشيء، أي وجب‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحاقة‏}‏ يعني‏:‏ ما تدري أي يوم هو، تعظيماً لأمرها‏.‏

ثم وصف القيامة في قوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور‏}‏‏.‏ ثم ذكر من كذب بالساعة والقيامة، وما نزل بهم، فقال‏:‏ ‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة‏}‏ يعني‏:‏ كذبت قوم صالح وقوم هود بالقيامة‏.‏ وإنما سميت قارعة، لأنها تقرع قلوب الخلق‏.‏ ثم أخبر عن عقوبتهم في الدنيا، فقال‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية‏}‏ يعني‏:‏ بطغيانهم، ومعناه وطغيانهم حملهم على التكذيب، فأهلكوا‏.‏ ويقال‏:‏ أهلكوا بالرجفة الطاغية، كما قال في قصته ‏{‏بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ عتت على خزانها، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ باردة يعني‏:‏ شديدة البرد ‏{‏سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ سلطها عليهم ‏{‏سَبْعَ لَيَالٍ وثمانية أَيَّامٍ حُسُوماً‏}‏ يعني‏:‏ دائمة متتابعة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏عَاتِيَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ شديدة ‏{‏حُسُوماً‏}‏ يعني‏:‏ كاملة دائمة لا يفتر عنهم‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏حُسُوماً‏}‏ أي‏:‏ متتابعة‏.‏ وأصله من حسم الداء، لأنه يكون مرة بعد مرة‏.‏

‏{‏فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى‏}‏ يعني‏:‏ في الريح؛ ويقال‏:‏ في الأيام؛ ويقال‏:‏ في القرية‏.‏ ‏{‏صرعى‏}‏ يعني‏:‏ موتى؛ ويقال‏:‏ هلكى؛ ويقال‏:‏ قلعى مطروحين‏.‏ ‏{‏كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ منقلعة ساقطة‏.‏ وروى شهر بن حوشب، عن ابن عباس قال‏:‏ ما أنزل الله تعالى قطرة من ماء إلا بمثقال، ولا شعرة من الريح إلا بمكيال، إلا يوم عاد ونوح‏.‏ وأما الريح فعتت على خزائنها يوم عاد، فلم يكن لهم عليها سبيل‏.‏ وأما الماء، طغى على خزانة يوم نوح، فلم يكن لهم عليه سبيلاً، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَمَّا طغى الماء‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 11‏]‏ الآية‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَهَلْ ترى لَهُم مّن بَاقِيَةٍ‏}‏‏؟‏ يعني‏:‏ لم يبق أحداً منهم‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ‏}‏‏.‏ قرأ أبو عمرو، والكسائي، ومن قبله بكسر القاف ونصب الياء الموحدة، يعني‏:‏ ظهر فرعون وأتباعه وأشياعه؛ والباقون بنصب القاف وجزم الباء يعني‏:‏ من تقدمه من عتاب الكفار‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏والمؤتفكات بِالْخَاطِئَةِ‏}‏ يعني‏:‏ قريات قوم لوط، يعني‏:‏ جاء فرعون وقوم لوط بالخاطئة يعني‏:‏ بالشرك وبأعمالهم الخبيثة‏.‏ ‏{‏فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبّهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ كذبوا رسلهم، ‏{‏فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً‏}‏ يعني‏:‏ عاقبهم الله عقوبة شديدة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 17‏]‏

‏{‏إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ‏(‏11‏)‏ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ‏(‏12‏)‏ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ‏(‏13‏)‏ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ‏(‏14‏)‏ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ‏(‏15‏)‏ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ‏(‏16‏)‏ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ‏(‏17‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَمَّا طغى الماء‏}‏ يعني‏:‏ طغى على خزانة يوم نوح، كما روي عن ابن عباس‏.‏ ويقال‏:‏ طغى الماء، أي ارتفع؛ ويقال في اللغة‏:‏ طغى الشيء، إذا ارتفع جداً‏.‏ وقال قتادة‏:‏ إنه طغى فوق كل شيء خمسة عشر ذراعاً‏.‏ ‏{‏حملناكم فِى الجارية‏}‏ يعني‏:‏ السفينة، ومعناه‏:‏ حين غرق الله تعالى قوم نوح، حملناكم يا محمد في السفينة في أصلاب آبائكم‏.‏ ‏{‏لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً‏}‏ يعني‏:‏ لنجعل هلاك قوم نوح لكم عبرة لتعتبروا بها‏.‏ ‏{‏وَتَعِيَهَا أُذُنٌ واعية‏}‏ يعني‏:‏ يسمع هذا الخبر أذن سامعة، ويحفظها قلب حافظ على معنى الإضمار‏.‏

ثم رجع إلى أول السورة فقال‏:‏ ‏{‏فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور نَفْخَةٌ واحدة‏}‏ يعني‏:‏ نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَحُمِلَتِ الارض والجبال‏}‏ يعني‏:‏ قلعت ما على الأرض من نباتها وشجرها، وحملت الجبال عن أماكنها‏.‏ ‏{‏فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة‏}‏ يعني‏:‏ فضربت على الأرض مرة واحدة؛ وهذا قول مقاتل، وقال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ رفعت الأرض والجبال فزلزلتا زلزلة واحدة‏.‏ ويقال‏:‏ فدكتا دكة واحدة أي‏:‏ كسرتا كسرة واحدة‏.‏ ‏{‏فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة‏}‏ يعني‏:‏ في ذلك اليوم قامت القيامة‏.‏ ‏{‏وانشقت السماء‏}‏ يعني‏:‏ انفرجت السماء بنزول الملائكة‏.‏ ‏{‏فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ ضعيفة منشقة متمزقة من الخوف‏.‏

‏{‏والملك على أَرْجَائِهَا‏}‏ يعني‏:‏ الملائكة على نواحيها وأطرافها، يعني‏:‏ صفوف الملائكة حول العرش ‏{‏وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ فوق الخلائق‏.‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ ثمانية‏}‏ يعني‏:‏ ثمانية أجزاء من المقربين، لا يعلم كثرة عددهم إلا الله‏.‏ وروى عطاء بن السائب، عن ميسرة في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية‏}‏ يعني‏:‏ ثمانية من الملائكة، أرجلهم في تخوم الأرض السابعة وقال وهب بن منبه‏:‏ أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة وجوه‏:‏ وجه ثور، ووجه أسد، ووجه إنسان‏.‏ روى الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 37‏]‏

‏{‏يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ‏(‏18‏)‏ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ‏(‏19‏)‏ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ‏(‏20‏)‏ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ‏(‏21‏)‏ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ‏(‏22‏)‏ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ‏(‏23‏)‏ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ‏(‏24‏)‏ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ‏(‏25‏)‏ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ‏(‏26‏)‏ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ‏(‏27‏)‏ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ‏(‏28‏)‏ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ‏(‏29‏)‏ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ‏(‏30‏)‏ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ‏(‏31‏)‏ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ‏(‏32‏)‏ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ‏(‏33‏)‏ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ‏(‏34‏)‏ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ‏(‏35‏)‏ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ‏(‏36‏)‏ لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ‏}‏ أي‏:‏ تساقون إلى الحساب والقصاص وقراءة الكتب؛ ويقال‏:‏ ‏{‏تُعْرَضُونَ‏}‏ على الله تعالى، كقوله‏:‏ ‏{‏وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 48‏]‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ لا يخفى على الله منكم ولا من أعمالكم شيء‏.‏ قرأ حمزة، والكسائي ‏{‏لاَ يخفى‏}‏، والباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن لفظ خافية مؤنث‏.‏ ومن قرأ بالياء، انصرف إلى المعنى يعني‏:‏ لا يخفى منكم خاف، والهاء ألحقت للمبالغة‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ‏}‏ يعني‏:‏ كتابه الذي عمله، فرأى فيه الحسنات فسر بذلك، ‏{‏فَيَقُولُ‏}‏ لأصحابه‏:‏ ‏{‏هَاؤُمُ‏}‏ يعني‏:‏ تعالوا ‏{‏اقرؤا كتابيه‏}‏‏.‏ قال القتبي‏:‏ ‏{‏هَاؤُمُ‏}‏ في اللغة بمنزلة خذ وتناول؛ ويقال للاثنين‏:‏ هاؤما، وللجماعة هاؤموا‏.‏ والأصل هاكم، فحذفوا الكاف وأبدلوها همزة‏.‏ وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال‏:‏ بلغني أنهم يعرضون ثلاث عرضات‏.‏ فأما عرضتان، فهما الخصومات والمعاذير‏.‏ وأما الثالثة، فتطاير الصحف في الأيدي‏.‏ وروى عبد الله بن مسعود نحو هذا‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنّى ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ‏}‏ يعني‏:‏ أيقنت وعلمت أني أحاسب‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ في عيش مرضي، ‏{‏فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ مرتفعة‏.‏ ‏{‏قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ اجتناء ثمارها قريب، يعني‏:‏ شجرها قريب يتناوله القائم والقاعد، فيقال لهم‏:‏ ‏{‏كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً‏}‏ يعني‏:‏ كلوا من ثمار الجنة واشربوا من شرابها هينئاً يعني‏:‏ طيباً بلا داء، ويقال‏:‏ حلال لا إثم فيه‏.‏ ‏{‏بِمَا أَسْلَفْتُمْ‏}‏ يعني‏:‏ بما عملتم وقدمتم ‏{‏فِى الايام الخالية‏}‏ يعني‏:‏ في الدنيا‏.‏ ويقال‏:‏ بما عملتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية، يعني‏:‏ في الدنيا‏.‏

‏{‏وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِشِمَالِهِ‏}‏ روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ الآية الأولى نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، وهذه الآية في الأسود بن عبد الأسد، ويقال‏:‏ في جميع المؤمنين وفي جميع الكفار‏.‏ ‏{‏فَيَقُولُ ياليتنى لَمْ أُوتَ كتابيه‏}‏ يعني‏:‏ لم أعط كتابيه، ‏{‏وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ‏}‏ يعني‏:‏ لم أعلم ما حسابي‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حِسَابِيَهْ ياليتها كَانَتِ القاضية‏}‏، يا ليتني تركت على الموتة الأولى بين النفختين، ويقال‏:‏ ‏{‏حِسَابِيَهْ ياليتها كَانَتِ القاضية‏}‏ يعني‏:‏ المنية‏.‏ قال مقاتل‏:‏ يتمنى الموت‏.‏ ‏{‏مَا أغنى عَنّى مَالِيَهْ‏}‏ يعني‏:‏ ما أرى ينفعني مالي الذي جمعت في الدنيا‏.‏ ‏{‏هَلَكَ عَنّى سلطانيه‏}‏ يعني‏:‏ بطل عني عذرِي وحجتي‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏خُذُوهُ فَغُلُّوهُ‏}‏ يعني‏:‏ بالأغلال الثّقال‏.‏ ‏{‏ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ‏}‏ يعني‏:‏ أدخلوه‏.‏ ‏{‏ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ‏}‏ يعني‏:‏ أدخلوه في تلك السلسلة‏.‏

‏{‏إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم‏}‏ يعني‏:‏ لا يصدق بالله العظيم‏.‏ ‏{‏وَلاَ يَحُضُّ‏}‏ يعني‏:‏ لا يحث نفسه ولا غيره ‏{‏على طَعَامِ المسكين‏}‏ يعني‏:‏ لا يطعم المسكين في الدنيا‏.‏ ‏{‏فَلَيْسَ لَهُ اليوم هاهنا حَمِيمٌ‏}‏ يعني‏:‏ قريب يمنع منه شيئاً، يعني‏:‏ أحداً يمنع من العذاب‏.‏ ‏{‏وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ‏}‏ يعني‏:‏ ليس له فيها طعام إلا من غسلين‏.‏ وروى عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ لا أدري ما الغسلين‏.‏ وروي عنه أنه قال‏:‏ الغسلين‏:‏ ما يسقط عن عروقهم، وذاب من أجسادهم‏.‏ وقال القتبي‏:‏ هو فعلين من غسلت فكأنه غسالة‏.‏ ‏{‏لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون‏}‏ يعني‏:‏ المشركين‏.‏ وروى عكرمة، عن ابن عباس‏:‏ أن رجلاً قرأ عنده‏:‏ ‏{‏لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون‏}‏ وقال ابن عباس‏:‏ كلنا نخطئ، ولكن ‏{‏لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون‏}‏ يعني‏:‏ العاصين الكافرين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 52‏]‏

‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ‏(‏38‏)‏ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ‏(‏39‏)‏ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ‏(‏40‏)‏ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ‏(‏41‏)‏ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏42‏)‏ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏43‏)‏ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ‏(‏44‏)‏ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ‏(‏45‏)‏ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ‏(‏46‏)‏ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ‏(‏47‏)‏ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏48‏)‏ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ‏(‏49‏)‏ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏50‏)‏ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ‏(‏51‏)‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ‏(‏52‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ أقسم بما تبصرون من شيء ومن الخلق‏.‏ ‏{‏وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ‏}‏ من الخلق‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ هذا القرآن قول رسول كريم على الله تعالى يعني‏:‏ جبريل، وهذا قول مقاتل‏.‏ ويقال‏:‏ قول رسول كريم، يعني‏:‏ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال أبو العالية‏:‏ إنه يعني‏:‏ القرآن، لقول‏:‏ رسول كريم يقرأ عليك يا محمد‏.‏ ويقال‏:‏ معناه إن الذي ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن، ويقرؤه عليه جبريل الكريم على الله تعالى، ليس الشياطين كما يقولون؛ ‏{‏وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ليس هو بقول شاعر‏.‏ ‏{‏قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ‏}‏ يعني‏:‏ قليلاً ما تؤمنون‏.‏ «وما» صلة‏.‏ قرأ ابن كثير، وابن عامر في رواية هشام ‏{‏قَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ‏}‏ بالياء ‏{‏الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ‏}‏ بالياء، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ‏}‏ يعني‏:‏ ليس بقول كاهن، ليس بقول شيطان أي‏:‏ عراف كاذب‏.‏ ‏{‏قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ قليلاً ما تتعظون‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏تَنزِيلٌ مّن رَّبّ العالمين‏}‏ يعني القرآن هو كلام رب العالمين أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاقاويل‏}‏ يعني‏:‏ أن محمد صلى الله عليه وسلم لو قال من ذات نفسه، ‏{‏لاخَذْنَا مِنْهُ باليمين‏}‏ يعني‏:‏ لعاقبناه‏.‏ فأعلم الله تعالى أنه لا محاباة لأحد، إذا عصاه بالقرآن، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏باليمين‏}‏ يعني‏:‏ بالقوة‏.‏ وقال القتبي‏:‏ إنما قام اليمين مقام القوة، لأن قوة كل شيء في يمينه‏.‏ ولأهل اللغة في هذا مذاهب أخر، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة أحد، فيقولون‏:‏ خذ بيده، وافعل به كذا وكذا‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ لو كذب علينا لأمرنا بالأخذ بيده ثم عاقبناه‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاقاويل‏}‏ معناه‏:‏ لو زاد حرفاً واحداً على ما أوحيته إليه أو نقص، لعاقبته‏.‏ وكان هو أكرم الناس عليَّ‏.‏ وفي الآية تنبيه لغيره، لكيلا يغيروا شيئاً من كتاب الله تعالى، ولا يتقولوا فيه شيئاً من ذات أنفسهم‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏باليمين‏}‏ يعني‏:‏ بالحق‏.‏ ويقال‏:‏ بالحجة‏.‏ ‏{‏ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين‏}‏ وهو عرق يتعلق به القلب، إذا انقطع مات صاحبه، يعني‏:‏ لأهلكناه‏.‏

‏{‏فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين‏}‏ يعني‏:‏ ليس أحد منكم يمنعنا من عذابه‏.‏ ‏{‏وَأَنَّهُ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏لَتَذْكِرَةٌ لّلْمُتَّقِينَ‏}‏ يعني‏:‏ عظة للذين يتقون الشرك والفواحش‏.‏ ‏{‏وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذّبِينَ‏}‏ يعني‏:‏ وإنا لنعلم أن منكم أيها المؤمنون مكذبون بالقرآن، يعني‏:‏ المنافقين‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الكافرين‏}‏ يعني‏:‏ إن هذا القرآن ندامة على الكفارين يوم القيامة، لأنه يقال لهم‏:‏ ألم يقرأ عليكم القرآن‏؟‏ فيكون لهم حسرة وندامة بترك الإيمان‏.‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين‏}‏ يعني‏:‏ إن تلك الندامة لحق اليقين‏.‏ ويقال‏:‏ إن القرآن من الله تعالى حقاً يقيناً‏.‏ ‏{‏فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم‏}‏ يعني‏:‏ صل لله تعالى‏.‏ ويقال‏:‏ سبحه باللسان؛ والله تعالى أعلم والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب‏.‏